“الغرب يتكلّم عن نفسه حين يتكلم عن الشرق، مسيحيّو الشرق هم مرآة تعكس لمسيحيي الغرب مخاوفهم الأكثر وجودية”.

في يوم 7 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفي الوقت الذي كان فيه الغرب المسيحي يحتفل بإعادة افتتاح كاتدرائية “نوتردام دو باريس” الفرنسية الشهيرة بعد أكثر من 5 سنوات على إغلاقها بسبب حريق ضخم، بحضور عدد من زعماء وأثرياء العالم يتقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب والملياردير إيلون ماسك، كان نظام بشار الأسد في سوريا يلفظ أنفاسه الأخيرة إثر الهجوم الذي شنَّته فصائل المعارضة المسلحة في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، وانتهى بالإعلان عن رحيل بشار الأسد صبيحة يوم 8 ديسمبر/كانون الأول بعد 11 يوما فقط من القتال.

بالنسبة لمسيحيي الشرق، وسوريا تحديدا، كان ذلك يعني امتحانا جديدا، وفق تعبير “آن فرانسواز”، وهي راهبة كرملية في حلب، تحدثت لصحيفة “فرنسا الكاثوليكية”. تصف فرانسواز التطور المتسارع للأحداث قائلة: “بدأ الأمر بحلب ثم حمص فدمشق، وفي النهاية وقعت البلاد في أيدي الإسلاميين. كيف سيكون الحال بعد ذلك؟ لا أحد يعرف، هذا هو الوقت المناسب للصلاة”.

أما زينة إيغو، وهي مواطنة مسيحية سورية، فتحدثت عن مفاجأتها السارّة بأن الإسلاميين “لم يذبحوا جميع المسيحيين”، ولكنهم أظهروا سياسات مطمئنة، حيث وزَّعوا الخبز، وسمحوا للمسيحيين بالاحتفال بعيد الميلاد.

قلب فرنسا “المتدين”

“سقطت الدولة المتوحشة”، بهذه العبارة علَّق ماكرون على نهاية نظام عائلة الأسد في تغريدة على حسابه على منصة “إكس”، ربما أراد الرئيس الفرنسي من خلال هذه العبارة أن يشير إلى الكتاب الشهير “سوريا.. الدولة المتوحشة” للكاتب الفرنسي ميشيل سورا، الذي دفع حياته ثمنا لبحثه حول الممارسات الوحشية للأسد ونظامه، إذ اختُطف سورا في بيروت عام 1985، وأُعدم في العام التالي مباشرة، وبقي رفاته محتجزا لمدة عشرين عاما، ولم تَحُل جنسيته الفرنسية ولا عيونه الزرقاء دون لقائه ذلك المصير المؤلم.

كتاب “سوريا.. الدولة المتوحشة” للمؤلف الفرنسي ميشيل سورا (الجزيرة)

في تغريدته سيوجِّه ماكرون التحية للشعب السوري، لشجاعته وصبره، متمنيا له الحرية والوحدة “في هذه الفترة من عدم اليقين”. لكن علاقة فرنسا بسوريا والمشرق عموما تتجاوز أمنيات ماكرون المبثوثة عبر الفضاء الرقمي، وقد ظهر ذلك جليا في لبنان الذي لعبت فيه باريس دورا مهما ومباشرا للوصول إلى اتفاق إطلاق النار بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله عقب أشهر من الاشتعال على تلك الجبهة، إثر قرار حزب الله اللبناني الانخراط في المواجهة ضد إسرائيل فيما أسماه الحزب بالجهد الإسنادي للمقاومة الفلسطينية في غزة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” وحرب الإبادة الإسرائيلية ضد القطاع وسكانه.

لم يختلف الأمر بالنسبة لباريس بشأن سوريا، فمنذ اندلاع الثورة ضد نظام الأسد عام 2011، كانت فرنسا مهتمة بالأحداث في دمشق، وكانت باريس ترغب في التدخل عسكريا ضد نظام الأسد كما فعلت هي وحلفاؤها مع نظام معمر القذافي في ليبيا، لكن رغم الكيماوي الذي كان يُصب فوق رؤوس السوريين صبا، فإن فرانسوا هولاند فشل في إقناع شركائه الغربيين بالتدخل، كان ذلك هو الحدث الأكثر مرارة في رئاسته، كما اعترف بنفسه لاحقا بعد انتهاء إقامته في “الإيليزيه”.

لذلك، وفي الوقت الذي حمي فيه وطيس المعارك السورية، قدمت فرنسا قدما وأخرجت أخرى حتى لا تتورط في “المستنقع” الذي يبدو أن الأسد وجد فيه راحته الكاملة بعد أن تبيَّن أن حلفاءه من الروس والإيرانيين كانوا أكثر اهتماما وإقداما من خصومه الغربيين، غير أن باريس حافظت على حضور غير مباشر في سوريا طيلة سنوات الصراع، وسرعان ما عادت بنوع من الاستعراض الدبلوماسي بعد سقوط النظام.

كان الظهور الأول لباريس في دمشق ما بعد الأسد في “زيارة المصافحة” الشهيرة التي كشفت عن حالة التردي السياسي في القارة العجوز. لقد أقامت ألمانيا الدنيا ولم تُقعدها، لأن أحمد الشرع، قائد الإدارة السورية الجديدة آنذاك (والرئيس السوري حاليا)، لم يصافح “أنالينا بيربوك”، وزيرة الخارجية الألمانية، مثيرة المخاوف حول وصول “الإسلاميين الجهاديين” إلى الحكم. لكن في المقابل، فإن جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي ورفيق بيربوك في الزيارة، أظهر مسحة من النضج السياسي، معتبرا أهداف اللقاء تتجاوز المصافحة من عدمها.

بوليتيكو: فضيحة المصافحة في سوريا

كان بارو محقا، فقد كانت زيارته لسوريا، وهو القادم من حكومة تشكَّلت بمعجزة بسبب الوضع السياسي الهش داخل فرنسا، تحمل أجندة أكثر جدية. وفي يوم الجمعة 3 يناير/كانون الثاني، التقى وزير الخارجية الفرنسي والوفد المرافق له البطاركة الثلاثة السوريين أو مَن يمثلونهم، وهم البطريرك “يوحنا العاشر” بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، والبطريرك “يوسف العبسي” بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك، إلى جانب ممثلي البطريرك “أفرام الثاني” بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس.

كشفت بعض المصادر الصحفية الفرنسية عن كواليس اللقاء بين البطاركة ووزير الخارجية الفرنسي، إذ أبدى رجال الدين المسيحيون تخوفا من مآلات الوضع الحالي للبلاد، وأفصحوا عن رغبة العديد من رعاياهم في الهجرة، كما استغربوا عدم تلقيهم أي دعوة لمؤتمر أو حوار وطني، وهو ما يزيد من مخاوفهم.

ويتجاهل هذا التركيز الفرنسي على مخاوف المسيحيين السوريين المحتملة الإشارات الإيجابية المبكرة التي أرسلتها الإدارة السورية في هذا الصدد، ومنها لقاء أحمد الشرع مع وفد من الطائفة المسيحية بالتزامن مع احتفال الطائفة بعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة، قبل أيام فقط من زيارة وزير الخارجية الفرنسي، واستمرار الكنائس السورية في أداء أنشطتها تحت حماية السلطات الجديدة، فضلا عن تعيين الناشطة المسيحية هند قبوات عضوا في اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للحوار السوري.

غير أن سلوك فرنسا في هذا الملف لا يثير أي استغراب، فباريس لا تحب الإسلاميين ولا تثق بهم أبدا، وبمجرد أن أعلنت المعارضة السورية عن سيطرتها على البلاد وفرار الأسد، هيمن ذلك المنظور على تغطيات وسائل الإعلام الفرنسية التي تحدثت عن المخاوف من وصول الإسلاميين إلى الحكم في سوريا، وبثَّت التقارير التي تناقش مصير “الجهاديين الفرنسيين” الذين قد يعودون إلى فرنسا. كما ظهر أيضا ملف المسيحيين السوريين الذين يشغلون فرنسا و”فؤادها المتدين”، الذي ينبض كلما دعت الحاجة، على خلاف مبادئها العلمانية اللائكية المتشددة.

لا يُعد هذا الاهتمام الفرنسي “المصطنع” بمسيحيي سوريا جديدا، فلطالما كانت تلك هي القضية التي نفذت منها فرنسا إلى السياسة السورية.

على سبيل المثال، في ​​أكتوبر/تشرين الأول عام 2013، أبدت باريس على لسان رئيسها آنذاك، فرانسوا هولاند، تخوفها الكبير حيال مصير مسيحيي الشرق عموما، ومسيحيي سوريا خصوصا. في بيان له، سيخبر هولاند الرأي العام الفرنسي والسوري عقب استقباله الرئيس الجديد حينها للمؤتمر الأسقفي الفرنسي “جورج بونتييه” بأنه سيعمل على الوقوف إلى جانب أتباع المسيح في سوريا. قبله سيُندِّد وزير خارجيته جان إيف لودريان بأعمال العنف التي يعرفها الشرق الأوسط وتهدد المسيحيين “الذين يواجهون الملاحقة والتصفية”، بحسب قوله.

مسيحيو سوريا

لطالما كان المسيحيون جزءا أصيلا من التركيبة الطائفية والمذهبية لسوريا الحديثة، فقد كان ميشيل لطف الله، السياسي ورجل الأعمال والمفكر السوري اللبناني، أحد كبار المفاوضين في سبيل استقلال سوريا، حين شارك في مؤتمر باريس عام 1919، كما نجد أيضا فارس الخوري، الذي كان من أهم قيادات الحركة الوطنية السورية، وشغل منصب رئيس وزراء سوريا أكثر من مرة في الأربعينيات والخمسينيات. من جانبها، كانت الكنيسة فاعلا مهما في سوريا على أصعدة عدة، كما حدث في المجاعة الشهيرة التي عرفتها البلاد ما بين العامين 1915-1918 حينما قام بطريرك الكنيسة في دمشق ببيع تاجه البطريركي لشراء الطعام للسكان في المدينة.

بيد أن تلك التركيبة المتناغمة اهتزت بشدة مع وصول البعثيين للحكم عام 1963 عقب انقلاب صلاح جديد، ثم مع صعود حافظ الأسد منقلبا على رفاقه عام 1970، حيث قرر منذ اللحظة الأولى اللعب على ورقة الطائفية بوضوح، فاتحا أبواب كل شيء أمام طائفته العلوية ومغلقا إياها في وجه البقية، بمَن فيهم المسيحيون الذين حُرموا من الحديث أو ممارسة حق المعارضة، وانصرفوا إلى مجالات التجارة والأعمال، في الوقت الذي حرص فيه النظام على عزلهم تماما عن الأغلبية السنية.

في غضون ذلك، اخترقت المخابرات السورية الكنيسة، واتبع النظام في ذلك المسلك الطريقة نفسها التي اتبعها مع السنة، حيث كان يشجع رجال الدين المسيحيين على كتابة التقارير في رعاياهم للحصول على مكافآت مقابل ذلك، فيما كان النظام هو الذي يسلمهم الخطب والكلمات التي تُلقى في المناسبات الدينية كأيام الآحاد والأعياد الدينية المهمة. وتمثيليا، خصَّص حافظ الأسد للمسيحيين وزيرا واحدا في كل تشكيل حكومي، بينما جرى في المجمل تهميش القرى المسيحية وتشجيع أبنائها على ترك البلاد.

تغيرت الأمور نسبيا بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة خلفا لوالده، ليقرر تغيير ارتباطه بالمجتمع المسيحي، معتبرا تقربه من الطبقة الوسطى المتعلمة من الطوائف المختلفة نوعا من “التقدمية” التي يهدف من خلالها إلى تسويق نفسه سياسيا على المستوى الدولي.

لذلك، أعطى الأسد المجتمع المسيحي حصة في الوظائف الحكومية والمزايا بعد طائفته العلوية، وشأنه شأن العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، وظَّف الأسد الابن “الورقة المسيحية” لكسب الدعم الغربي ضد خصومه، وهم من الإسلاميين في أغلب الأحوال، كما سعى لاستخدام المسيحيين ضد الأغلبية السنية التي كانت تهدد النظام الطائفي العلوي عبر اللعب على نغمة تخويفهم من المعارضة السنية التي “ستبطش بهم حال وصلت هي إلى الحكم”.

استمر الحال كذلك حتى انطلاق الاحتجاجات الشعبية ضد النظام في عام 2011، وكانت بمنزلة امتحان صعب للأقلية المسيحية في البلاد التي كانت مجبرة على اتخاذ موقف تجاه الأحداث. اختار الكثير من المسيحيين من ذوي الهيئة الوقوف إلى جانب النظام، وهو ما حاول الأسد التسويق له ضد خصومه، لكن في الوقت نفسه، اختارت أعداد كبيرة من المسيحيين، لا يمكن الوقوف على نسبتها، معارضة النظام والوقوف في صف الثورة.

انضم العديد من الشباب المسيحي تحديدا إلى باقي الشباب السوري الذي صرخ بحلم الحرية، غير أنهم آثروا الابتعاد عن حمل السلاح (بصورة منظمة على الأقل)، مُفضّلين الاشتغال بالجوانب الإعلامية التي تضم توجيه وتوثيق الفعاليات وترويجها، كما عملوا في الجانب الإنساني، حيث نشطت المجتمعات المسيحية مثلا أثناء حصار درعا في تقديم المساعدات الإنسانية للسكان الذين كانوا يعانون من تشديد الخناق عليهم من طرف النظام.

لكن مع تطور مجريات الحرب، وجد المسيحيون السوريون أنفسهم في موقف صعب، ما بين مطرقة الخوف من بطش النظام، وسندان التوجس من الفصائل المسلحة. وفي غضون عقد واحد على الثورة، انخفض عدد مسيحيي سوريا بصورة ملحوظة إلى ثلث عددهم قبل الثورة في بعض التقديرات، وقد اختار هؤلاء الباقون الانصياع إلى تعليمات الكنيسة في الشأن السياسي، التي حرصت غالبا على التماهي مع توجهات النظام السوري، رغبا أو رهبا.

الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد يزور إحدى كنائس دمشق في عام 2014. (أسوشيتد برس)

تحت مقصلة الأسد

غير أن ذلك لم يكن كافيا لتجنيبهم بطش النظام، الذي استثنى معارضيه من سياسة التمييز الطائفي فبطش بهم جميعا على السواء. فمثلا في عام 2012، قتل النظام باسل شحادة، أحد أبرز الوجوه المسيحية الثورية في مدينة حمص. تخلى شحادة، الذي كان يعمل في الإخراج السينمائي، عن منحة فولبرايت التي حصل عليها في الولايات المتحدة للعودة إلى سوريا والعمل في المساعدات الإنسانية، والعمل أيضا على توثيق ممارسات الأسد ونظامه وقمعهم الوحشي للاحتجاجات.

وكان على ذوي الناشط المسيحي أن ينتظروا أياما قبل أن يسمح لهم النظام باستلام جثة نجلهم، وبعد ازدحام منطقة سكن شحادة بالثوار المعزين، فرض النظام على قيادات الكنيسة عدم إقامة أي عزاء خوفا من أن يتسبب ذلك في انتشار مظاهرات في أوساط المسيحيين، حينها أحس الكثير من المعزين، خاصة الشباب منهم، أن الكنيسة وقيادتها تخلَّت عنهم وخذلتهم.

كان خوف رجال الكنيسة من النظام مبررا نوعا ما، فكلما تحدث رجل دين مسيحي عما يحدث في سوريا، كان مصيره هو الإبعاد أو القتل أو الاختفاء في ظروف غامضة، رغم أن جُلّ هؤلاء المتحدثين تجنبوا تحميل المسؤولية للنظام وحده وألقوها على عاتق المعارضة على السواء، في محاولة يائسة لتجنب البطش.

هذا ما حدث مثلا للكاهن إيطالي المولد سوري الهوية “الأب باولو دالوليو”، الذي أبعده الأسد من سوريا عام 2012، قبل أن يعود إليها في العام التالي 2013 ويختفي تماما في مدينة الرقة (تشير أرجح الروايات إلى مقتله على يد تنظيم الدولة، فيما تتهم روايات أخرى النظام بقتله)، والأب فرانسيس فاندرلخت الذي قُتل في مدينة حمص حينما كان يقوم بتقديم مساعدات في المدينة المحاصرة، والأب فادي حداد الذي اختُطف وقُتل في مدينة قطنا في ريف دمشق. وفي كل تلك الحالات، نفى الأسد التهمة عن نفسه وصدَّرها إلى “الميليشيات الإسلامية المتطرفة”، لاعبا اللعبة الطائفية ذاتها التي أتقنها منذ اليوم الأول.

ولأجل إكمال المشهد، لم يفتر الأسد عن طقوس التقرب إلى القيادات المسيحية في الظاهر، في الوقت الذي لا يمانع فيه البطش بمَن يعارضونه من المسيحيين خلف الكواليس. فمثلا في منطقة صيدنايا، التي أسس النظام السجن المعروف سيئ السمعة الذي كان يضم في قبوره المظلمة آلاف المسلمين السنة، كان الأسد يمسك يد زوجته أسماء ويزور دير صيدنايا، وترقبه الكاميرات وهو يحتضن الراهبات الأرثوذكس بجانب زوجته المبتسمة دائما، مستفيدا في المقابل من أصوات بعض هؤلاء الراهبات في الترويج لنفسه، كما حدث مثلا مع الراهبة المسيحية “أغنس مريم الصليب” ذات الأصول اللبنانية، التي لم تترك منبرا إلا ودافعت فيه عن النظام البائد.

عمل حلفاء الأسد أيضا على استغلال المسيحيين من أجل الترويج لتدخلهم في الأراضي السورية، فقد عمل الروس مثلا على استخدام المسيحيين الأرثوذوكس وسيلةً لجذب الرأي العام الروسي، خصوصا أن بوتين يحب تقديم نفسه على أنه الرجل الذي يعمل على حماية المسيحيين الشرقيين في العالم، من الإسلاميين أو من الغربيين على حدٍّ سواء.

في غضون ذلك، بث النظام شائعات مفادها أن المسيحيين السوريين سيكون لهم الحق الحصري في الاستفادة من اللجوء إلى روسيا للهرب من “الميليشيات الإسلامية”، بيد أن الدافع الحقيقي وراء تسهيل هذه الهجرة للمسيحية كان إتمام مشروعه للتغيير الديموغرافي في سوريا، فالمسيحيون شأنهم شأن المسلمين السنة يعرقلون حضور السكان الجدد، من الشيعة القادمين من عدد من الدول الجارة وغير الجارة، الذين دفعهم حماسهم العقدي للحضور دفاعا عن الأسد.

لقد أجبر الأسد الأُسَر المسلمة السنية والمسيحية على مغادرة منازلها فقط ليستبدل بها الشيعة القادمين من إيران والعراق ولبنان في عمليات تبادل سكانية محسوبة. وفي غضون هذه العملية، بِيعت حصة كبيرة من عقارات المدينة القديمة التاريخية في دمشق، التي كانت مأهولة في الغالب بعائلات مسيحية، لرجال أعمال إيرانيين. ولكن في الوقت نفسه، حرص النظام على توفير اهتمام انتقائي ببعض المناطق المسيحية عبر الاستثمار في البنية التحتية، مثل الطرق وخدمات الصرف الصحي، وتحسين الوصول إلى الإنترنت، وذلك بغية شراء الدعم، أو على الأقل ضمان صمت القيادات المسيحية على الجرائم التي كان النظام يتفنن في ارتكابها على الأراضي السورية.

نهج واحد

على اختلاف طريقة كلٍّ منهما، يبدو أن نظام الأسد وفرنسا اتفقا على نظرة واحدة لمسيحيي سوريا، بوصفهم بطاقة مساومة لتحقيق مكاسب سياسية. ولفترة طويلة، نظر الغربيون إلى مسيحيي المشرق بوصفهم “مسمار جحا” الذي يمكنهم من خلاله فرض نوع من الوصاية على الأنظمة الصديقة قبل العدو، ومن هنا جاءت القوة الكبيرة وبعض الاستقلالية التي تحظى بها بعض الكنائس المشرقية.

جنود فرنسيون أثناء حقبة الاستعمار الفرنسي لسوريا (غيتي)

عملت فرنسا، رغم علمانيتها الكارهة للدين، على استغلال الوجود المسيحي في المشرق في سبيل إعادة ربط الصلة بمستعمراتها السابقة، وخصوصا لبنان وسوريا، تماما كما فعلت في أفريقيا التي نشط المبشرون فيها كثيرا قبل وأثناء وبعد الاستعمار. على سبيل المثال، في فبراير/شباط 2022، أعلن إيمانويل ماكرون عن دعم استثنائي للمدارس المسيحية في الشرق الأوسط، مؤكدا أن هذا الدعم هو “التزام علماني” لفرنسا لصالح المسيحيين الذين يعيشون في منطقة مشتعلة وغير مستقرة. وقبل ذلك في عام 2021، دعمت فرنسا ما مجموعه 174 مؤسسة تعليمية مسيحية عبر صندوق استحدثته عام 2020، منها 129 مؤسسة في لبنان، و16 في مصر، و7 في إسرائيل، ثم 13 مدرسة في الضفة الغربية، و3 مدارس في الأردن.

تخبرنا الباحثة “كاميل لونس”، المتخصصة في شؤون الخليج والشرق الأوسط، في مقال مهم لها على موقع “أوريان 21” عن ملاحظة جديرة بالتوقف؛ وهي أن مصطلحات كثيرة شائعة حول الأعراق والطوائف الدينية، مثل الآشوريين والكلدانيين والسريان الأرثودوكس أو الكاثوليك والروم الكاثوليك المالكيين، ظهرت أساسا في الإعلام الفرنسي في مشهد يبدو وكأنه يتسلل من زمن ثانٍ. لقد صوَّب الإعلام الفرنسي أضواءه الكاشفة على المسيحيين في المشرق أكثر منذ سيطرة تنظيم الدولة على الموصل وهروب آلاف المسيحيين من مناطق الصراع، خصوصا في العراق وسوريا، وأثارت الصور التي بثها نوعا من التعاطف من طرف المجتمع الفرنسي، وهو ما أعاد قضية مسيحيي الشرق إلى الواجهة.

قبل ذلك، أسهمت التفجيرات ضد الكنائس العراقية بُعيد سقوط نظام صدام حسين في تحفيز تأسيس عدد مهم من الجمعيات المسيحية المدعومة غربيا، مثل جمعية “أخوّة العراق” وجمعية مساعدة أقليات الشرق. تطور دور هذه الجمعيات أكثر بسبب صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، كما زاد نشاط منظمة إرساليّة الشرق، وهي إحدى المنظمات القديمة التي تقع تحت سلطة مطران باريس، ومثلها منظمة مساعدة الكنيسة المنكوبة. بجانب ذلك شاركت المؤسسات الرسمية للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية في هذا “الحراك”، حيث وقَّع مطارنة مرسيليا وباريس بيانا مشتركا في فبراير/شباط 2015 يؤكد دعم مسيحيي المشرق، دون نسيان المحاضرات والصلوات الجماعية وحملات التبرع.

أعطى هذا الاهتمام الكبير من طرف الإعلام الفرنسي بشؤون المسيحيين انطباعا خاطئا حول كونهم الأقلية الوحيدة التي تتعرض للضغط والتقتيل، رغم أن هذا الأمر ليس حقيقيا، حيث تقول آن إستيل رادناك من إرساليّة الشرق إن المسيحيين لم يكابدوا في عهد تنظيم الدولة مصير الإيزيديين الذي قُتلوا بالمئات، عكس المسيحيين الذين قُتل قليل منهم على يد التنظيم، ناهيك بأضعافهم من الأغلبية المسلمة السنية ممن أبادهم نظام الأسد.

بيد أن هذا الأمر لا يهم كثيرا، لأن العديد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية تحاول استغلال هذا الانطباع من أجل التأثير على الممولين والداعمين، ما يجعلها تُظهر المشهد برُمّته على أنه صراع حضاري بين المسلمين والمسيحيين في الشرق الأوسط، وهو ما يجافي الحقيقة بوضوح.

اعتنق الغربيون، عبر وسائل الإعلام والجمعيات التي تأسست بذريعة مساعدة مسيحيي الشرق، تلك النظرة الاستشراقية الفولكلورية للشرق الأوسط، فظهرت صورة مختزلة جدا للمسيحيين أنفسهم عبر تعريفهم بأنهم ذلك الشعب الذي “لا يزال يحفظ الدين الأكثر نقاء من بين جميع النسخ المسيحية التي انتشرت شرقا وغربا”، ويعاني في مواجهة “نسخة عنيفة ووحشية” من الإسلام.

بدورها، لعبت الدولة الفرنسية دورا مهما في عملية الحشد من أجل مسيحيي الشرق، فهي رغم حساسية موقفها كونها تعطي الدروس اليومية في العلمانية، فإن عددا من الشخصيات الناشطة في هذا الملف كانت تستفيد من علاقاتها من دوائر القرار لجعل هذه الأجندة حاضرة دوما على طاولة الحكومة الفرنسية.

واحد من أبرز هؤلاء الأشخاص الذين يجمعون بين النشاط في ملف مسيحيي الشرق وبين القرب من دوائر القرار السياسي في فرنسا هو “باتريك كرم”، رئيسُ تنسيقيّة “مسيحيّو الشرق في خطر”، الذي يعمل مستشارا سياسيا لـ”حزب الجمهوريون”، وعمل مفوضا وزاريا سابقا في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي. كرم أكد في غير ما مناسبة بأنه كان يعمل بشكل وثيق مع لوران فابيوس، وزير الخارجية السابق، ووزارة الداخلية في عهد فرانسوا هولاند لتوجيه الدبلوماسية الفرنسية في هذه القضية.

نجحت التنسيقية التي يتزعمها كرم أن تنشأ مجموعة بحث حول مسيحيي الشرق في البرلمان الفرنسي، برئاسة فاليري بيكريس، الزعيمة في حزب “الجمهوريون”، والمرشحة عن الحزب نفسه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وقد أبدى اليمين الفرنسي، بجميع تفريعاته من اليمين الجمهوري حتى أقصى اليمين، حماسا واضحا لتبني قضية مسيحيي المشرق تحت ذرائع مختلفة، وعلى رأسها الخوف من “أسلمة” المجتمع.

بعد سقوط النظام، ورغم الوضع الصعب وغير المستقر الذي عاشته سوريا خلال سنوات الأسد، فإن قضية المسيحيين طغت تماما علي المشهد الإعلامي الفرنسي ومناقشات “التوك شو”، جنبا إلى جنب مع تسليط الضوء على “المسلحين الإسلاميين” من الحاملين للجنسية الفرنسية الذين ظهروا في بعض المقاطع خلال عملية دخول قوى المعارضة إلى دمشق.

ظهر الناشطون المسيحيون الفرنسيون في عدد من الحوارات الصحفية مع منابر فرنسية تتبع خطا تحريريا يمينيا للحديث عن الخطر الذي أصبح يحيط بالمسيحيين بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على البلاد، ولم يخجل بعضهم من توجيه الإشادة والإطراء لنظام الأسد البائد الذي كان -حسب كلامهم- يمنح المسيحيين حرية دينية واسعة تتيح لهم للاحتفال بأعياد الميلاد بدون تهديد، دون إشارة إلى القمع والتنكيل والابتزاز الذي كابده المسيحيون يوميا، شأنهم شأن باقي السوريين، في البلد الذي كان حتى وقت قريب “مزرعة خاصة” لآل الأسد.ط

شاركها.
Exit mobile version