يقول ممثلو قطاع الدفاع في الاتحاد الأوروبي إن القطاع يعاني بشكل متزايد من صعوبة في العثور على العمال ذوي المهارات اللازمة لتلبية احتياجاته، لماذا؟ ما هي المواصفات التي يبحثون عنها وما الذي يفعله التكتل لمعالجة هذه الثغرات؟
يواجه قطاع الدفاع في أوروبا تحديًا يتجاوز حدود التمويل، حيث يعاني من نقص حاد في المواهب والمهارات. وأكدت شركة ليوناردو الإيطالية، المتخصصة في مجال الطيرانوالدفاعوالأمن في بيان لـ”يورونيوز” إن الفترة الحالية تشهد “أعلى مستويات البحث عن موظفين جدد في تاريخ الشركة، بل تتجاوز حتى فترات الصراعات السابقة” مثل حرب العراق وأفغانستان.
ولا يقتصر هذا النقص على ليوناردو وحدها، بل يشكل “مصدر قلق مشترك” لكافةقطاع الدفاع في أوروبا. وتعمل الشركات بالتعاون مع المؤسسات الوطنية والأوروبية لسد الفجوات في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي لتعزيز الإنتاج الذي أصبح حاجة ملحة. وأشارت الشركة إلى أن التحدي الأكبر يكمن في “مطابقة الطلب المتزايد على القوى العاملة مع المهارات المناسبة”، خاصة في أسواق مثل إيطاليا والمملكة المتحدة، وهما من الأسواق الرئيسية للشركة.
وأكدت رابطةالصناعات الجوية والفضائية والدفاعية في أوروبا (ASD) أن “التوظيف السريع لعدد كبير من العاملين المتخصصين يمثل تحديًا هائلًا” في ظل سوق عمل متوترة. كما أوضحت ليوناردو أن الصعوبات لا تتعلق بالصراعات الجيوسياسية فقط، بل أيضًا بالتطور السريع للتكنولوجيا الرقمية ودمجها في قطاع الدفاع.
ومع تعمق انخراط القطاع في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتحليلات المتقدمة، والتقنيات الكمية، يواجه منافسة متزايدة من شركات التكنولوجيا الكبرى على أفضل المواهب.
وقال متحدث باسم إندرا، الشركة الإسبانية لأنظمة الدفاع وتكنولوجيا المعلومات، إن “الطلب على مجموعات المهارات الجديدة سيستمر في النمو مع تطور التكنولوجيا”، مشيرًا إلى أن بعض الكفاءات تعد “نادرة في السوق حاليًا”.
تؤثر العوامل الجيوسياسية بشكل كبير على اختيارات التوظيف، نظرًا لطبيعة صناعة الدفاع والطيران. وأوضح ممثل لإحدى الشركات أن “التوظيف من البلدان ذات المهارات العالية ولكن خارج التحالفات السياسية والاستراتيجية يُعد أمرًا مستحيلًا”.
كشف غزو أوكرانيا في عام 2022 عن الأهمية الحيوية لصناعة الدفاع في حماية المجتمعات والديمقراطيات، وفقًا لمتحدث باسم وزارة الدفاع الأوروبية. وأوضح المتحدث أن هذا التحول في الإدراك العام “سهل جذب المرشحين للعمل في قطاع الدفاع”، حيث أصبح يُنظر إليه الآن على أنه عنصر أساسي للأمن والاستقرار.
ولمواجهة تحديات نقص الكفاءات، تعتمد شركات الدفاع الأوروبية على استراتيجيات تطوير المواهب الداخلية، بما في ذلك تدريب المهنيين المبتدئين، وتقديم برامج إرشاد مستمرة، وتوفير فرص الخبرة العملية. وتسعى هذه الشركات من خلال هذه المبادرات إلى بناء جيل جديد من المهارات المتخصصة لضمان استمرارية الإنتاجية والابتكار.
المتحدث باسم شركة إندرا، التي توظف 57,000 شخص وتعمل في 46 دولة، أكد أن الشركة “تستكشف استراتيجيات توظيف متنوعة” لمواجهة نقص المواهب. تشمل هذه الاستراتيجيات “جذب الكفاءات من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى المستعدة للانتقال إلى إسبانيا”، بالإضافة إلى “إنشاء فرق محلية في مناطق تمتلك الكفاءات اللازمة لدعم المشاريع الدولية”.
ماذا سيحتاج الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة؟
في عام 2023، وفرت صناعة الدفاع في الاتحاد الأوروبي حوالي 581,000 فرصة عمل، وحققت مبيعات بلغت 158.8 مليار يورو. وتشير التوقعات إلى استمرار هذا النمو مع سعي القارة الأوروبية لإعادة تسليح نفسها لضمانالسلام والأمن في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد.
ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استراتيجيته الصناعية الدفاعية الأولى من نوعها لتعزيز الإنتاج العسكري داخل دوله الأعضاء. ومع ذلك، تطالب الشركات المصنعة بتوفير ضمانات طويلة الأجل بشأن الطلبيات والاستثمارات، معتبرة أن هذه الخطوة لن تسهم فقط في زيادة الإنتاج، بل ستساعد أيضًا في جذب وتوظيف الكفاءات اللازمة لدعم قطاع الدفاع.
تؤكد استراتيجية عام 2024 أن النقص في العمالة والمهارات في صناعة الدفاع الأوروبية ناتج عن قلة الاستثمار في برامج الدفاع الجديدة في الماضي، إضافة إلى ضعف جاذبية القطاع. وأوضح دانيال فيوت من مركز بروكسل للأمن والدبلوماسية والاستراتيجية أن “الأوروبيين أهملوا قطاع الدفاع لعقود، مما يتطلب الآن تعويضًا عن الاستثمار المفرط في عائد السلام الذي كان سائدًا حتى غزو روسيا لأوكرانيا”. وأضاف: “الحقيقة القاسية هي أن قطاع الدفاع في أوروبا غير جاهز للحرب، ويجب تغيير ذلك بسرعة”.
أكدت وكالة الدفاع الأوروبية (EDA) أنالاتحاد الأوروبي يراقب الوضع عن كثب ويتخذ خطوات نشطة لمعالجة فجوات المهارات في قطاع الدفاع. ويجري تعزيز التعاون بين الصناعة والأوساط الأكاديمية والحكومات لتطوير القدرات الدفاعية الرئيسية. وأظهرت أبحاث الوكالة أن الطلب على المهارات الرقمية، مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، سيزداد في صناعة الدفاع الأوروبية في السنوات المقبلة.
من بين المهنيين الأكثر طلبًا سيكون مهندسو الاستقلالية، وخبراء الأمن السيبراني، ومهندسو معالجة البيانات، ومصممو البرمجيات. كما ستحتاج القطاعات التقليدية، مثل اللحام وتصنيع الصفائح المعدنية والتجميع، إلى موظفين ذوي كفاءة عالية لفهم المتطلبات التقنية العسكرية وإدارة تعقيدات هذه المشاريع.
أشار المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن هناك جهودًا مستمرة لمعالجة مشكلة المهارات، من بينها برنامج Assets+، وهو تحالف للمهارات الاستراتيجية في تقنيات الدفاع الناشئة. ومع ذلك، أكد أن “حجم التحدي يتطلب نهجًا أوسع وأكثر حزمًا”، حيث يجب أن تلعب الحكومات والأوساط الأكاديمية دورًا محوريًا في هذه الجهود.