بقلم: يورونيوز
نشرت في
خلصت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إلى أن أستراليا انتهكت التزاماتها الدولية بعدم قدرتها على حماية لاجئ إيراني من التعذيب وسوء المعاملة خلال سنوات احتجازه الطويلة، أولاً في مركز احتجاز خارجي ببابوا غينيا الجديدة، ثم داخل الأراضي الأسترالية.
وأكدت اللجنة، المؤلفة من عشرة خبراء مستقلين في حقوق الإنسان، أن الدولة الأسترالية فشلت في اتخاذ تدابير فعالة لمنع الأذى الجسدي والنفسي الذي تعرض له صاحب الشكوى، رغم سيطرتها الفعلية على النظام الذي وضعه تحت ظروف قاسية وغير إنسانية.
رحلة الهروب والاحتجاز: من جزيرة كريسماس إلى مانوس
ووصل الرجل الإيراني إلى جزيرة كريسماس، الإقليم الأسترالي الخارجي في المحيط الهندي، على متن قارب عام 2013 هرباً من الاضطهاد في بلاده.
وبدلاً من دراسة طلبه للحماية داخل أستراليا، نُقل بموجب سياسة “المعالجة الخارجية” إلى مركز معالجة منطقة مانوس في بابوا غينيا الجديدة.
ووفق شهادته، قضى هناك نحو ثلاث سنوات في ظروف قاسية، تعرّض خلالها لعنف جسدي شديد، بينها حادثة شق حلقه على يد أحد حراس الأمن. ولم تُجرَ أي تحقيقات فعالة في الواقعة، ولم يُحاسب المسؤولون عنها.
في عام 2019، نُقل المشتكي إلى البر الأسترالي لتلقي علاج طبي عاجل، إلا أن سلطات الهجرة احتفظت به رهن الاحتجاز لما يقارب ثلاث سنوات إضافية، رغم حالته الصحية والنفسية الحرجة. وأُطلق سراحه نهائياً في 2022 بموجب تأشيرة مؤقتة.
كانبيرا تتذرّع بالمسؤولية الخارجية.. واللجنة ترفض الحجة
واعترضت أستراليا على الشكوى، مشيرة إلى أن إدارة مركز الاحتجاز في بابوا غينيا الجديدة كانت من مسؤولية الدولة المضيفة، وأن احتجاز الرجل في أراضيها كان قانونياً وخاضعاً للمراجعة الدورية.
إلا أن اللجنة رفضت هذه الحجج، مؤكدة أن التمويل الأسترالي الكامل للمركز، وتصميمه السياسي، وتحكمه في العمليات عبر عقود مع شركات خاصة، يثبت أن الدولة مارست “سيطرة فعالة” على مصير المحتجزين، وبالتالي تظل ملزمة بالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب أينما وُضع الشخص تحت نفوذها.
“الجغرافيا ليست المعيار”.. والدولة مسؤولة عن الأذى الذي تُهمِل منعه
وقال عضو اللجنة خورخي كونتيس: “الالتزامات بموجب القانون الدولي لا تسقط بمجرد نقل مرافق الاحتجاز خارج الحدود”، مضيفاً: “الجغرافيا ليست المعيار، بل ما إذا كانت الدولة قد وضعت شخصاً في موقف تملك فيه القدرة على منع الأذى، ثم تقاعست عن ذلك”.
وأشار إلى أن الدول التي تنشئ أنظمة احتجاز خارج حدودها، وتُبقي تأثيراً حاسماً على ظروفها، تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي انتهاكات تحدث فيها.
الاحتجاز الطويل وعدم اليقين: معاناة جسدية ونفسية ممنهجة
وخلصت اللجنة إلى أن الجمع بين “الظروف القاسية، والاحتجاز المطول، وانعدام الحماية” يرقى إلى مستوى التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو ما يخالف المادتين 2(1) و16 من الاتفاقية.
كما اعتبرت أن احتجاز الرجل لاحقاً في أستراليا — دون تقييم فردي لضرورة استمراره، وبشكل إلزامي وإداري — شكّل بحد ذاته معاملة قاسية وغير إنسانية، خاصة في ضوء تاريخه الطويل من الاحتجاز الخارجي واحتياجاته الطبية العاجلة.
وطالبت اللجنة أستراليا بتقديم تعويض كامل للمشتكي، يشمل التعويض المالي وإعادة التأهيل النفسي والطبي، والسماح له بإعادة تقديم طلب حماية أمام جهة مختصة. كما دعت الدولة إلى اعتماد ضمانات واضحة لعدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.
سياسة مثيرة للجدل منذ عقدين
يُشار إلى أن نظام الاحتجاز الخارجي الأسترالي، الذي يُرسل طالبي اللجوء إلى مراكز في بابوا غينيا الجديدة وناورو، يواجه إدانات دولية مستمرة بسبب الظروف المزرية التي يعيشها المحتجزون. وقد أدت هذه السياسة إلى وفاة 14 محتجزاً، ومحاولات انتحار متكررة، وإحالة ست قضايا على الأقل إلى المحكمة الجنائية الدولية.
طلبت وكالة فرانس برس تعليقاً من وزارة الداخلية الأسترالية، دون تلقي ردّ حتى وقت النشر. وتُعتبر آراء لجنة مناهضة التعذيب غير ملزمة قانوناً، لكنها تحمل وزناً كبيراً في تقييم سجل الدول في مجال حقوق الإنسان.

