ينشأ الإدمان نتيجة تحوّلات طويلة الأمد في طريقة عمل الدماغ، لا سيما في آليات التعلّم والتوقّع وترتيب الأولويات المرتبطة بالمكافأة، وعلى مدى عقود من أبحاث علم الأعصاب، تبيّن أن الإدمان يرتبط بتغيّرات مستمرة في أنظمة الدوبامين، ومسارات التوتر، وتشكّل العادات، وهي دوائر دماغية تطوّرت أساسًا لضمان البقاء.
وعندما تتعرّض هذه الأنظمة لتحفيز مفرط ومتكرر، لا يقتصر الأمر على البحث عن المتعة، بل يعيد الدماغ تعريف ما يعتبره ضروريًا، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل الدافع الإنساني من جذوره.
تزداد قوة الإدمان لأنه يفعّل عدة أنظمة دماغية في آن واحد؛ إذ تعزّز هرمونات التوتر الرغبة القهرية، وتعمل دوائر الذاكرة على ترسيخ الارتباطات بين السلوك والإشارات المحيطة، بينما تدفع حلقات العادة السلوك إلى نمط تلقائي. ولهذا السبب يمكن للمحفّزات أن تثير اندفاعًا قويًا حتى بعد فترات طويلة من الامتناع، كما يفسّر لماذا لا يكفي الوعي أو الإدراك وحده للتغلب على الإدمان، فالدماغ يستجيب لإشارات مكتسبة تتجاوز السيطرة الواعية.
وفي المقابل، فإن المرونة العصبية نفسها التي تسمح بتكوّن الإدمان تفتح الباب أيضًا أمام التعافي، وتؤكد الدراسات أن التغيير المستمر في السلوك والبيئة، إلى جانب الدعم المناسب، يمكن أن يعيد للدوائر العصبية حساسيتها، ويقوّي التحكم التنفيذي، ويعيد التوازن للدوافع، إن فهم الإدمان كعملية قائمة على الدماغ لا يُسقط المسؤولية الفردية، بل يستبدل الشعور بالذنب بخطط عملية، ويجعل التغيير المستدام أكثر واقعية وقابلية للتحقق.
