نشرت في
•آخر تحديث
غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، وهي تُعدّ أيضا لغزا جيوسياسياً يربط بين القارة القطبية الشمالية وأوروبا. ورغم موقعها الجغرافي الذي يضعها أقرب إلى القارة الأمريكية، إلا أنها تظل سياسياً وتاريخياً جزءاً من “مملكة الدنمارك” وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع أوروبا.
هذه العلاقة هي نتاج قرون من الاستيطان، والتحالفات الملكية، والسيطرة الاستعمارية، والصراعات الدولية. فكيف وصلت هذه الأرض الشاسعة المغطاة بالثلوج إلى يد التاج الدنماركي؟ وكيف تطوّرت عبر القرون؟
“إريك الأحمر والتاج المشترك : كيف بدأت الحكاية؟
بدأت قصة الاستيطان في غرينلاند خلال القرن العاشر الميلادي، عندما وصل الفايكنغ المعروفون بالنورس، إلى سواحل الجزيرة قادمين من النرويج بقيادة إريك الأحمر. وكانت الأخيرة آنذاك مملكة قوية يمتد نفوذها على شمال الأطلسي، فشرع هؤلاء المستوطنون الأوروبيون في الزراعة وبناء الكنائس، وحاولوا تأسيس مجتمع سكاني على الجزيرة.
مع مرور الزمن، اعترف سكان الجزيرة رسميًا بسيادة ملك النرويج عليهم عام 1261. وفي عام 1380، دخلت النرويج والدنمارك في اتحاد تحت تاج واحد، ما جعل غرينلاند تابعة إداريًا للعرش المشترك، بينما بدأت السيطرة الفعلية تدريجيًا تميل لصالح الدنمارك، الطرف الأقوى في التحالف.
في الوقت نفسه، وصل أسلاف الإينويت الحاليين إلى الجزيرة، حيث عاشوا كصيادين وجامعي طعام، وطوّروا ثقافة متكاملة متناسبة مع البيئة القاسية للجزيرة. وبحلول نحو عام 1400، تمكن الإينويت من فرض هيمنتهم وطرد المستوطنين الفايكنغ القدماء، لتصبح ثقافتُهم هي الأساس في غرينلاند.
وشهد القرن الثامن عشر بداية الحقبة الاستعمارية الحديثة في الجزيرة، حين وصل المبشّر النرويجي الدنماركي هانز أجد عام 1721 بهدف البحث عن أحفاد المستوطنين القدامى ونشر المسيحية. ومنذ ذلك الحين، أسست الدنمارك مراكز تجارية ومستعمرات على الساحل الغربي، مما جعل سيطرتها رسمية ومستدامة. ويُعد النصب التذكاري لهانز أجد في ميناء العاصمة نوك رمزًا لهذه الحقبة، وغالبًا ما يُنظر إليه كتذكير بفقدان بعض التقاليد الإينويتية.
وفي عام 1814، وبعد هزيمة الدنمارك في الحروب النابليونية، أُبرمت معاهدة كيل التي أجبرت الدنمارك على التنازل عن النرويج لصالح السويد، لكنها احتفظت بمستعمراتها السابقة، بما في ذلك غرينلاند وآيسلندا وجزر فارو.
وبعد أكثر من 100 سنة في عام 1916، أبرمت الولايات المتحدة صفقة لشراء جزر الهند الغربية الدنماركية مقابل 25 مليون دولار ذهبًا، ووافقت واشنطن في المقابل على عدم الاعتراض على توسّع كوبنهاغن في مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل كامل غرينلاند، ما عزز الاعتراف الدولي بسيادة الدنمارك على الجزيرة.
لكن هذه السيادة كان دونها تحديات: ففي عام 1931 حاولت النرويج استعادة السيطرة على أجزاء من شرق غرينلاند، المعروفة باسم “أرض إريك الأحمر”. وتصاعد النزاع ليصل إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، التي أصدرت عام 1933 حكا لصالح الدنمارك، مؤكدة سيادة كوبنهاغن الكاملة على كامل الجزيرة ومنحت الجزيرة وضعًا رسميًا ومستدامًا كملكية دنماركية.
غرينلاند.. من مستعمرة إلى حكم ذاتي وحلم الاستقلال
تتمتع غرينلاند اليوم بوضع قانوني وسياسي يجمع بين السيادة الدنماركية والحكم الذاتي الموسّع. فقد تحولت عام 1953 من مستعمرة إلى إقليم رسمي ضمن مملكة الدنمارك، ومنذ إقرار قانون الحكم الذاتي عام 2009 أصبح لشعب غرينلاند الحق القانوني في تقرير مصيره، بما في ذلك إمكانية إعلان الاستقلال الكامل عبر استفتاء شعبي وبموافقة البرلمان الدنماركي.
على المستوى الداخلي، تدير غرينلاند شؤونها بشكل مستقل نسبيًا، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم وإدارة الموارد الطبيعية، بينما تظلّ السياسة الخارجية والدفاع والعملات تحت إشراف حكومة كوبنهاغن.
أما على الصعيد الدولي، فتتمتع الجزيرة بخصوصية جيوسياسية كبيرة. فقد انسحبت من الاتحاد الأوروبي عام 1985، وهي تحافظ على وضعية “إقليم تابع خارجي”، ما يتيح لها إبرام اتفاقيات خاصة، خصوصًا في قطاع الصيد.
وتلعب غرينلاند دورًا استراتيجيًا في أمن القطب الشمالي، إذ تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري دائم في قاعدة بيتوفيك الجوية بموجب اتفاقية يعود تاريخها لعام 1951.
داخليًا، يعيش نحو 57 ألف نسمة في مدن ومستوطنات متفرقة تفتقر إلى شبكة طرق تربط بينها. ويظل المشهد الاجتماعي متأثرًا بالإرث الاستعماري، حيث شهدت السنوات الأخيرة اعتذارات رسمية من الدنمارك عن ممارسات قسرية، مثل التجارب الاجتماعية على الأطفال في خمسينيات القرن الماضي، وحملات تركيب وسائل منع الحمل القسرية بين 1966 و1991.
ماذا يريد ترامب من غرينلاند؟ ولماذا يضحي بعلاقاته مع أوروبا؟
يبدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامه بجزيرة غرينلاند، معتبرًا أن السيطرة عليها تمثل أولوية قصوى للأمن القومي للولايات المتحدة. وقد عاد هذا الملفّ إلى الواجهة مجددًا عقب الهجوم العسكري على فنزويلا، التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك.
وفي تصريحات للصحافيين، زعم الرئيس الأمريكي أن “غرينلاند تعجّ بالسفن الروسية والصينية في كل مكان”، مؤكدًا أن للجزيرة أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لأمن بلاده.
ولم يكن اهتمام ترامب بالجزيرة جديدًا، إذ سبق أن عرض شراءها خلال ولايته الأولى عام 2019، لكن الحكومة الدنماركية رفضت العرض حينها مؤكدة أن غرينلاند ليست للبيع. وبعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، أعاد ترامب إحياء هذا الطرح، ولم يستبعد اللجوء إلى القوة، ما أثار صدمة واسعة في كوبنهاغن، العضو في حلف شمال الأطلسي والشريك التقليدي للولايات المتحدة.
وتُعد غرينلاند، الغنية بالمعادن النادرة والموارد الطبيعية واحتياطات الطاقة المحتملة، منطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة، إذ تمتد في قلب الدائرة القطبية الشمالية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا. وقد شكل موقعها محورًا للتنافس الدولي لأكثر من 150 عامًا، فيما تتزايد أهميتها اليوم مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، الذي يفتح طرقًا جديدة للملاحة والتجارة ويغذي الصراع على النفوذ والموارد في المنطقة.
ووصل التصعيد إلى ذروته عندما أعلن ترامب أن الدول الأوروبية “وضعت نفسها في موقف لا يمكن تحمله”، معلنا أن بلاده ستفرض رسومًا جمركية بنسبة 10% على واردات الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، اعتبارًا من الأول من فبراير/شباط، على أن ترتفع هذه الرسوم إلى 25% مع بداية يونيو/حزيران، وتبقى سارية حتى التوصل إلى اتفاق يسمح لواشنطن بشراء غرينلاند.
غير أن موقفه تغيّر بعد اجتماع طويل مع مارك روته مين عام حلف شمال الأطلسي الناتو، مؤكدا أنه لن يفرض الرسوم.
واتفق ترامب وأمين العام الحلف على إطار تعاون خاص بغرينلاند يحترم سيادة الدنمارك على الجزيرة دون نقل أي سلطة عامة إلى الولايات المتحدة، فيما أثار هذا الإعلان شكوكاً وتساؤلات لدى العديد من السكان المحليين.
ورغم إشارة الرئيس الأمريكي سابقًا إلى أن سكان غرينلاند قد يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة، أظهر استطلاع رأي أُجري في يناير/كانون الثاني أن الغالبية الساحقة من سكان الجزيرة، يفضلون الاستقلال عن الدنمارك ولا يؤيدون أن تصبح غرينلاند جزءًا من الولايات المتحدة.

