كتبت سها ممدوح – وكالات : تراهن مدينة أولو الفنلندية على الإبداع لمواجهة أكبر تحديات العصر وبرد الشمال وتغيّر المناخ لتتحدى أكبر الظروف وتصبح عاصمة الثقافة الأوروبية
ففي أقصى شمال فنلندا، حيث يفرض البرد القارس والليل الطويل إيقاعهما على الحياة، تستعد مدينة أولو لتولي لقب عاصمة الثقافة الأوروبية لعام 2026، في تجربة استثنائية تمزج بين الفنون والابتكار ومواجهة التغيرات المناخية، في واحدة من أكثر البيئات قسوة في القارة الأوروبية.
اختيار أولو، الواقعة بالقرب من الدائرة القطبية الشمالية، لم يأتِ من فراغ. فالمدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 200 ألف نسمة، تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الثقافة، ليس بوصفها فعاليات فنية فقط، بل كأداة للتكيّف مع المناخ، وتعزيز التماسك المجتمعي، وبناء مستقبل أكثر استدامة في الشمال الأوروبي.
وضعت أولو التغير المناخي في صلب رؤيتها لعام الثقافة الأوروبية، عبر برامج فنية ومبادرات مجتمعية تناقش ذوبان الجليد، وتغيّر النظم البيئية، وتأثيرات الطقس المتطرف على المجتمعات الشمالية. الفنون هنا تتحول إلى لغة عالمية لطرح الأسئلة الصعبة حول مستقبل الكوكب.
الشتاء كمساحة للإبداع لا عائق
بدلًا من الهروب من الشتاء الطويل، قررت أولو تحويله إلى عنصر إلهام، من خلال مهرجانات شتوية، وعروض فنية في الهواء الطلق، وتجارب ثقافية تستثمر الظلام والثلوج كجزء من الهوية المحلية، في محاولة لتحدي الصورة النمطية عن المدن الشمالية البعيدة عن المشهد الثقافي.
يحمل اللقب الأوروبي آمالًا كبيرة لأولو والمناطق المحيطة بها، سواء على مستوى تنشيط السياحة الثقافية، أو جذب الاستثمارات، أو تعزيز مكانة فنلندا كدولة تجمع بين الابتكار البيئي والقوة الناعمة الثقافية، في وقت تبحث فيه أوروبا عن نماذج تنموية أكثر توازنًا مع الطبيعة.
رغم الزخم، تواجه أولو تحديات حقيقية، أبرزها البنية التحتية، وقدرتها على استيعاب الزوار، والتعامل مع تقلبات المناخ، إلى جانب الرهان على مشاركة المجتمع المحلي في مشروع ثقافي يمتد لعام كامل. نجاح التجربة قد يفتح الباب أمام مدن أخرى صغيرة لتصدر المشهد الثقافي الأوروبي.
مع اقتراب 2026، تبدو أولو كأنها ترسل رسالة واضحة: الثقافة لم تعد ترفًا حضريًا، بل أداة للبقاء والتكيف في عالم يزداد اضطرابًا مناخيًا. ومن قلب البرد الشمالي، تحاول المدينة الفنلندية أن تثبت أن الإبداع قادر على مواجهة أقسى التحديات.

