بقلم: يورونيوز
نشرت في
يسلّط التقرير الضوء على انتقال برلين من منطق “زمن السلم” إلى منطق الاستعداد الشامل للحرب، مع إعادة بناء منظوماتها اللوجستية والطبية والقانونية والمدنية، مستلهمة نماذج الحرب الباردة، لكن مع تكييفها مع واقع الحروب الحديثة التي تتسم بالهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والتهديدات الهجينة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، بدأ السكان في ألمانيا يلاحظون مظاهر عسكرية غير مألوفة داخل المدن، مع تنظيم مناورات واسعة في الأحياء السكنية والمرافئ، تحاكي هجمات بطائرات مسيّرة وأعمال تخريب. كما تحوّلت الموانئ، وشبكات السكك الحديدية، والطرق السريعة إلى مواقع تدريب عسكري، حيث تُجرى تمارين على نقل القوات والإمدادات في ظروف الخطر.
ويلاحظ السكان أيضًا تصاعد التدريبات المشتركة مع قوات حليفة، تشمل عمليات الإخلاء الطبي الجوي وحماية طرق الإمداد، ضمن سيناريوهات تفترض أعدادًا كبيرة من الجرحى. هذا الاستعداد ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية عبر اضطرابات متكررة، من إغلاق طرق إلى انتشار أمني كثيف، تُقدَّم بوصفها إجراءات تدريبية، لكنها في الوقت نفسه تهيّئ المجتمع لواقع طويل من عدم الاستقرار.
الاستعداد للسيناريو الأسوأ
في صلب هذه الاستعدادات، يبرز دور الجنرال الألماني جيرالد فونكه، قائد قيادة دعم القوات المسلحة، الذي يستعد لما يصفه بالسيناريو الأسوأ. وقال فونكه لصحيفة “ذا تايمز”: “عليّ أن أضع في الحسبان احتمال إصابة ألف عنصر يوميًا. وكلما تعمّقت في التفاصيل، ازداد الأمر تعقيدًا وأصبح من الأصعب تخيّله”.
بوجود نحو 55 ألف عنصر تحت إمرته، وهي قوة تفوق حجم جيوش وطنية أوروبية عديدة، يقود فونكه جهازًا جديدًا وواسع النطاق، يضم كل ما يلزم لاستمرار المجهود الحربي خلف خطوط الجبهة. ويشير إلى أن مصدر القلق الأساسي يتمثل في التهديدات الهجينة، قائلًا: “ما يقلقني حاليًا هو الجانب الهجين، الجانب الخفي: التخريب، الخلايا النائمة، نوع من الهجمات الموجّهة. لا يمكنني استبعاد استخدام صواريخ بعيدة المدى. لكنني أعتقد أن التهديد الهجين مرتفع جدًا”.
ويضيف فونكه أن الحفاظ على ألمانيا كمركز لوجستي يشكّل أولوية قصوى، موضحًا: “من المهم بالنسبة لنا الحفاظ على ألمانيا كمركز لوجستي، وإدارة خطوط الإمداد لأطول فترة ممكنة وبأكبر قدر من السلاسة، بحيث إذا تعطّل مسار ما، يكون لدينا خيار استخدام مسارات أخرى”.
نهج شبيه بالحرب الباردة
في موازاة ذلك، يجري استثمار جهد كبير لإعادة تفعيل ما يُعرف بـ”الذاكرة العضلية” للحرب الباردة لدى حلف شمال الأطلسي وألمانيا، لا سيما في ما يتعلّق بتعبئة السكان، والسلطات المدنية، والقطاع الخاص. ويشدّد فونكه على هذا البعد قائلًا: “يجب القول بوضوح تام إننا من دون الدعم المدني ضمن مفهوم الدفاع الشامل لن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا”.
وفي هذا الإطار، بدأت بالفعل مناقشات أولية حول اعتماد نهج شبيه بالحرب الباردة والاستعداد بأقصى قدر ممكن لما هو قادم. ويشرح فونكه: “أجعل قواتي تتدرّب في ليتوانيا مع الوحدات نفسها في كل مرة، كي يعرفوا: كيف هو ميناء كلايبيدا؟ كيف تبدو طبيعة الأرض؟ أين تقع الشركات الحيوية؟ وأين يمكنني أن أنشئ قاعدة أو نقطة لمعالجة الجرحى؟”.
وتمتد التحديات إلى القطاع الخاص، إذ تشير الصحيفة إلى أن بعض الشركات بدأت تدرك حجم المشكلة وتبادر إلى التدريب على كيفية التعامل مع الأزمات، فيما لا تزال شركات أخرى بعيدة عن قطاع الدفاع غير مدركة لمدى تأثرها المحتمل. ويعلّق فونكه على ذلك بالقول: “كلما ابتعدت الشركات عن قطاع الدفاع، قلّ إدراكها أنها قد تتأثر هي أيضًا. هذا ليس نابعًا من سوء نية أو جهل، بل ببساطة لأنها لم تستوعب بعد كامل التداعيات”.
أما على الصعيد الطبي، فيُعدّ التخطيط أكثر تعقيدًا، إذ لم يحسم حلف شمال الأطلسي بعد بشكل دقيق كيفية توزيع الجرحى بين الدول الحليفة للعلاج، لكن الافتراض السائد هو أن تتحمّل ألمانيا جزءًا كبيرًا من العبء. ويمتلك الجيش الألماني خمسة مستشفيات خاصة به، إلا أن طاقتها البالغة نحو 1800 سرير قد تُستنفد بسرعة في حال اندلاع مواجهة واسعة. ولهذا الغرض، قامت وزارة الصحة الاتحادية بتقسيم شبكة المستشفيات المدنية إلى أربعة أقسام، يضم كل قسم مجموعة من العيادات التي يمكن تخصيصها لاستقبال الجرحى في حال وقوع أزمة كبرى.

