الدماغ البشري لا يتعامل مع الدهون بوصفها مصدر طاقة فحسب، بل ينتقي أنواعًا محددة منها، وعلى رأسها الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة طويلة السلسلة، لأنها تمنحه ميزة وظيفية حاسمة.
منذ مراحل النمو الأولى وحتى سن الرشد، يحافظ الدماغ على هذه الدهون ويخزنها حتى في حالات انخفاض المدخول الغذائي العام، ما يبرز مدى ارتباطها الوثيق بوظائف مثل التفكير، وتنظيم المشاعر، والقدرة على التعلم. المسألة هنا لا تتعلق بالسعرات الحرارية أو توزيع المغذيات الكبرى، بل بتوفير الجزيئات التي تكيف الدماغ تطوريًا للاعتماد عليها.
ما يتم تجاهله غالبًا هو نوعية الدهون وليس كميتها. فالدهون عالية المعالجة لا تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه الدهون الطبيعية في دعم أغشية الخلايا العصبية، في حين أن الأنظمة الغذائية التي تعاني نقصًا مزمنًا في الأحماض الدهنية الأساسية ترتبط بضعف التعلم، وتقلبات المزاج، وتراجع المرونة المعرفية.
هذا يفسر كيف يمكن للأنماط الغذائية الحديثة أن تقود إلى إرهاق ذهني وضعف في التركيز لدى أشخاص يبدون أصحاء جسديًا، لأن الدماغ يعمل بمواد بنائية غير مثالية.
الخلاصة أن الأداء الذهني تحدده الحدود البيولوجية قبل أن يتدخل عامل الذهن أو الإرادة، فصحة الدماغ على المدى الطويل لا تُبنى بالعادات والانتباه فقط، بل تُدعَم على مستوى الخلية نفسها. وعندما تتوافق المدخلات الغذائية مع ما صُمم الدماغ ليستعمله، تصبح القدرة على الحفاظ على اللدونة العصبية أكثر سهولة واستمرارية.

