نشرت في
يتبع المسلمون حول العالم التقويمَ القمري، الذي يتكون من 12 شهرًا، يتراوح عدد أيامها بين 29 و30 يومًا، ويُحدّد بدء شهر رمضان على أساس رؤية الهلال.
اعلان
اعلان
في الوقت نفسه، وإضافة إلى الرؤية، تعتمد السعودية أيضا ما يسمّى تقويم أمّ القرى، القائم على الحسابات الفلكية الدقيقة، والذي يتيح تحديد تواريخ المناسبات الدينية قبل فترة زمنية.
ورغم أن شهر رمضان يُعدّ الشهر التاسع في التقويم الهجري ووهو أحد أهمّ المواسم الدينية للمسلمين، إلا أن لحظة بدايته تتحول سنويًا إلى نقطة خلاف بين الدول، لتكشف عن شبكة معقّدة من العوامل الفقهية والعلمية والمؤسساتية، وأحيانًا السياسية، التي تتقاطع عند إعلان دخول الشهر الكريم.
فمع غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شهر “شعبان”، تقف الأمة الإسلامية أمام مشهد متكرر: ترقبٌ يتبعه انقسام وخلاف. وبينما تعلن المآذن في عاصمةٍ ما بدء الصيام، يظل جيرانهم في عاصمة أخرى في انتظار يوم متمّم لشعبان. وغالبًا ما تُبرَّر هذه الفروقات بمسوّغات “فقهية” أو “جغرافية”. إلا أن الأمر يثير تساؤلات حول مدى تدخل السياسة في تفاصيل الشعائر الدينية، حتى أصبحت رؤية الهلال أحيانًا ضحية لصراعات النفوذ والسيادة الوطنية.
فلماذا تختلف بداية رمضان رغم أننا جميعًا نرى نفس الهلال؟ الإجابة تتجاوز الحسابات الفلكية البحتة، لتغوص في قواعد المذهب والاجتهاد الشرعي ومتاهات السياسة.
السياسة والمذهب يرسمان خارطة الصيام
تختلف الدول الإسلامية في تفسير مشاهدة الهلال بين الرؤية الشرعية المباشرة والحسابات الفلكية. ويرى بعض العلماء في العالم الإسلامي أن الهلال يجب أن يُرصد بالعين المجرّدة، بينما يسمح آخرون بالحسابات الفلكية الدقيقة، خاصة في الحالات التي لا يمكن فيها رؤية الهلال بسبب الطقس أو الموقع الجغرافي.
وقد يؤدي هذا الخلاف الفقهي إلى اختلاف بداية شهر الصوم في بعض الدول بيوم أو يومين، لكن الواقع يشير إلى أن السياسة تلعب دورًا أكبر في تحديد موعد شهر رمضان.
وأصبح هذا الاختلاف مرآة تعكس التحالفات والاختلافات السياسية في العالم الإسلامي. وأبرز مثال على ذلك هو الخلاف السعودي-الإيراني. ففي أغلب الأحيان، لا تتزامن بداية شهر رمضان في طهران والرياض بسبب النزاعات السياسية والفروق المذهبية بين السنة والشيعة، ورغبة كل دولة في إدارة شؤونها الدينية وفق مرجعياتها الخاصة.
وفي بقية دول الخليج العربي التي تشترك كلها في عضوية مجلس التعاون الخليجي، يظهر تقاربٌ واضح في مواعيد بدء شهر رمضان، حيث تصوم غالبية الدول معًا في اليوم نفسه. ويعود هذا الاتفاق إلى التقارب السياسي والمذهبي بين هذه الدول، فضلاً عن وجود هيئات دينية مشتركة أو متوافقة في تفسير رؤية الهلال والحسابات الفلكية.
لبنان
التعدد الطائفي يجعل المشهد في لبنان أكثر تعقيدًا ويُظهر كيف يمكن أن تتشابك السياسة بالدين في بلد لا تتجاوز مساحته 10 آلاف كيلومتر مربع.
ويضم لبنان، هذا البلد الصغير، 18 طائفة، أبرزها السنّة والشيعة والدروز والمسيحيون بمختلف مذاهبهم.
وفيما يخص رمضان، يصوم المسلمون السنّة غالبًا وفق الإعلان الرسمي للسعودية، بينما يتبع جزء من المسلمين الشيعة غير الموالين لولاية الفقيه في إيران، توصيات مكتب السيد محمد حسين فضل الله المعتمدة على الحساب الفلكي. أما الجزء الآخر الذي ينتمي له جمهور حزب الله فيتبع تقويم الجمهورية الإسلامية في طهران، ما يؤدي أحيانًا إلى اختلاف توقيت الصيام والفطر داخل مدينة أو قرية صغيرة وحتى البيت الواحد.
ويضيف هذا التباين في بلد صغير دليلا إضافيا حول كيفية تداخل السياسة في الدين.
فالقرارات الدينية في لبنان غالبًا ما تتقاطع مع الانقسامات السياسية، إذ تمثل كل طائفة مصالح محددة وتمتلك أحزابها ومرجعياتها الخاصة، مما يجعل تحديد بداية رمضان قضية تتجاوز مجرد رؤية الهلال لتصبح انعكاسًا للتوازنات السياسية داخل الدولة.
المغرب العربي
وفي شمال أفريقيا، يظهر تباينٌ واضح في بداية رمضان بين الدول المجاورة، لا سيما بين تونس والجزائر والمغرب.
على سبيل المثال، تتقارب تونس والجزائر في الإعلان عن دخول الشهر، ويصوم البلدان في نفس اليوم، ويُعزى ذلك إلى القرب الجغرافي، الثقافي، والتشابه في القرارات الفقهية، إضافة إلى التفاهمات السياسية والعلاقات الدبلوماسية المستقرة بينهما. في المقابل، ورغم وحدة الجغرافيا والمذهب المالكي المشترك مع البلدين المذكورين، دأب المغرب على إعلان بداية شهر الصوم في توقيت مختلف.
ويرجع هذا إلى عدة عوامل مركّبة، تبدأ بالخلافات التاريخية والسياسية بين المغرب والجزائر، والتي تتعلق بشكل خاص بقضية الصحراء الغربية والحدود المغلقة بين البلدين منذ عقود.
وتاريخيًا، لم تخلُ المنطقة من حالات شاذة أضافت بُعدًا سياسيًا آخر. فكان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، الذي أطاحت به الثورة الشعبية عام 2011، يعلن دخول الشهر الفضيل قبل يوم كامل عن معظم الدول العربية.
خلفية عن شهر رمضان
يحتفظ شهر رمضان بمكانة مهمة في التاريخ الإسلامي. فهو ثالث ركن في الإسلام، ويرتبط هذا الشهر بعدد من الأحداث الفارقة في التاريخ الإسلامي، أبرزها نزول القرآن على النبي محمد في ليلة القدر، وهو الحدث الذي يجعل رمضان شهرًا مباركًا ومتميزًا عن بقية الشهور لما فيه من طقوس ومسارعة لفعل الخير.
ومن منظور إسلامي، لا يقتصر الشهر على الامتناع عن الطعام والشراب وممارسة الجنس، بل يشمل أيضا ضبط السلوك وطقوسا أخرى، مثل صلاة التراويح وتقديم الصدقات للفقراء والمحتاجين إضافة إلى الاجتماع حول موائد الإفطار والسحور العامرة بأشهى الأطباق.

