وزارة العمل الأميركية في واشنطن
بدأت حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتركيز على تشديد سياسات الهجرة في الولايات المتحدة تلقي بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية، ومن بينها قطاع الضيافة، الذي يعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة.
تؤدي القيود الجديدة على التأشيرات والعمل، بالإضافة إلى الإجراءات الصارمة على الوافدين، إلى تقليص عدد العمال المؤهلين، ما أثر على قدرة الفنادق والمطاعم على تلبية الطلب المتنامي خلال مواسم الذروة السياحية.
يمتد هذا النقص في العمالة إلى المناصب المتوسطة التي تتطلب مهارات محددة في إدارة الضيافة والخدمات السياحية. كما أن الشركات في هذا القطاع بدأت تشهد ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة الحاجة لتعويض النقص عبر رفع الأجور أو الاستعانة بعقود مؤقتة مكلفة، مما يضغط على هوامش الربح ويعيد النظر في خطط التوسع والتوظيف.
في الوقت نفسه، من شأن الصورة السياسية المشددة على الهجرة أن تؤثر سلباً على سمعة الولايات المتحدة كوجهة مرحبة للزوار والموظفين الدوليين.
تأثير عكسي
بحسب تقرير لـ “الغارديان” البريطانية، فإن:
- سياسات دونالد ترامب المتعلقة بالهجرة تؤثر بشكل سلبي على قطاع الضيافة.
- يشكل المهاجرون ما يقرب من ثلث العاملين فيه، وفقاً لأكبر نقابة عمالية في قطاع الضيافة في الولايات المتحدة.
- انخفض عدد العاملين في قطاع الضيافة بمقدار 98 ألف عامل من ديسمبر 2024 إلى ديسمبر 2025، وفقًا لتقرير صادر عن نقابة Unite Here، التي تمثل 300 ألف عامل في قطاعات الضيافة والأغذية والسياحة في الولايات المتحدة وكندا.
- يقول قادة النقابات إن حملة إدارة ترامب على الهجرة لم تقتصر على إثارة مخاوف العمال فحسب، بل أدت أيضاً إلى تثبيط السياحة الدولية.
- وفقاً للتقرير، شهدت الولايات المتحدة انخفاضاً قدره 1.2 مليار دولار، أو ما يعادل 5.5 بالمئة، في عائدات السياحة خلال الفترة من سبتمبر 2024 إلى سبتمبر 2025.
وينقل التقرير عن المدير السياسي لنقابة Unite Here المعنية بقطاع الضيافة، ويد لونيبورغ، قوله: “نحن بحاجة إلى العمال المهاجرين.. إنهم جزء مهم من قوتنا العاملة.. إنهم أعضاء (بالنقابة)، إنهم جيراني، والطريقة التي عوملوا بها في هذا الوقت بغيضة حقاً”.
ويضيف المسؤول بالنقابة التي تمثل 6000 عامل في مينيسوتا، بما في ذلك العمال في مطار مينيابوليس سانت بول الدولي:
- “بسبب حملة الحكومة الفيدرالية الصارمة على الهجرة، بات العديد من أعضائنا يخشون الذهاب إلى العمل”.
- ستة عشر عاملاً في المطار احتُجزوا من قبل سلطات إنفاذ قوانين الهجرة في وقت سابق من هذا العام.. هؤلاء عمالٌ مُصرَّح لهم بالعمل، وقد اجتازوا فحوصات إدارة أمن النقل.
انخفض عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة بمقدار 2.5 مليون زائر في عام 2025، على الرغم من زيادة السياحة الدولية في جميع أنحاء العالم، وفقًا لتقرير Unite Here.
ضغوط متزايدة
يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- صناعة الضيافة والسياحة الأميركية، التي تُعد أحد أعمدة اقتصاد الخدمات في الولايات المتحدة، تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة تشديدات الإدارة بقيادة الرئيس دونالد ترامب في ملف الهجرة.
- البيانات الصادرة عن القطاع تشير إلى تراجع عدد العاملين في أنشطة الترفيه والضيافة (..) وهو ما يعكس تراجع القدرة التشغيلية للمطاعم والفنادق والمنتجعات السياحية، ويؤكد وجود فجوة متنامية في سوق العمل المرتبط بالخدمات السياحية.
- القيود المشددة على تأشيرات الدخول وإجراءات التدقيق في الهويات أثّرت بشكل مباشر على تدفقات السياحة الدولية.
- انخفض عدد الوافدين الأجانب إلى الولايات المتحدة بنسبة 4.2 بالمئة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، ما أسفر عن خسائر تُقدّر بنحو بعشرات المليارات من الإنفاق السياحي المباشر، وفق تقديرات شركات الطيران والفنادق.
ويشير إلى أن العمالة الأجنبية تمثل عنصراً محورياً في بنية القطاع، إذ يشكل الأجانب ما بين 31 و34 بالمئة من موظفي الفنادق، بينهم 34 بالمئة من عمال النظافة و24 بالمئة من الطهاة. وبالتالي، فإن تشديد القيود على تأشيرات العمل يفاقم أزمة نقص اليد العاملة، خاصة في ظل التعافي غير المكتمل للقطاع منذ جائحة كورونا.
وفيما يتعلق بتداعيات ذلك على المدن السياحية الكبرى، يلفت إلى أن مدينة لاس فيغاس شهدت انخفاضاً في عدد الزوار الدوليين بنسبة ملحوظةخلال عام 2025، كما سجلت وجهات رئيسية مثل واشنطن وميامي تراجعاً ملحوظاً في الإقبال السياحي، ما انعكس على معدلات الحجوزات والإيرادات.
ويختم الخفاجي حديثه بالتأكيد على أنه بينما تبرر الإدارة الأميركية هذه السياسات بأنها تهدف إلى حماية الوظائف المحلية، فإن المؤشرات الحالية تُظهر أن قطاع الضيافة يعتمد بدرجة كبيرة على كل من العمالة والسياح الأجانب، وبالتالي فإن القيود الجديدة قد تُفضي إلى ركود وظيفي وإيرادي ملموس في أحد أهم قطاعات الاقتصاد الأميركي القائم على الخدمات.
وخلص تقرير صادر عن معهد السياسة الاقتصادية في يوليو 2025 إلى أن “أهداف ترامب لترحيل 4 ملايين شخص ستؤدي إلى فقدان 3.3 مليون وظيفة للمهاجرين و2.6 مليون وظيفة للعمال المولودين في الولايات المتحدة”.
وكانت المتحدثة السابقة باسم وزارة الأمن الداخلي، تريشيا ماكلولين، قد ذكرت في وقت سابق أنه “لو كان هناك أي ارتباط بين الهجرة غير الشرعية المتفشية والاقتصاد الجيد، لكان بايدن قد حظي باقتصاد مزدهر”، وذلك في معرض دفاعها عن حملة ترامب ضد المهاجرين.
انعكاسات مباشرة
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي ياسين أحمد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- حملة تشديد الهجرة ستنعكس بشكل مباشر على قطاع الضيافة في الولايات المتحدة، خاصة في الفنادق والمطاعم وشركات الخدمات السياحية.
- هذا القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة المهاجرة، خصوصاً حاملي تأشيرات العمل.
- تداعيات هذه الحملة تتمثل في نقص العمالة، حيث إن تقليص أعداد المهاجرين أو زيادة المخاوف من الترحيل والملاحقة يدفع العديد من العمال إلى مغادرة السوق أو العزوف عن الالتحاق به، وهو ما يؤدي إلى صعوبة واضحة في التوظيف.
ويضيف أن هذا النقص ينعكس مباشرة على تكاليف التشغيل، إذ تضطر الشركات إلى رفع الأجور لجذب العمالة المتاحة أو اللجوء إلى شركات استقدام بتكلفة أعلى، ما يزيد من الأعباء التشغيلية.
ويتابع أن ارتفاع التكاليف يضع الشركات أمام خيارين: إما امتصاص الزيادة على حساب هوامش أرباحها، أو تمريرها إلى المستهلك عبر رفع أسعار الإقامة والخدمات والمطاعم، وهو ما يرفع الضغوط التضخمية في قطاع الخدمات.
ويشير ياسين أحمد إلى أن تأثير ملف الهجرة لا يقتصر على العمالة فقط، بل يمتد إلى الطلب السياحي نفسه، موضحاً أن تشديد إجراءات الدخول قد يخلق انطباعاً سلبياً لدى السياح الدوليين، ما يدفع بعضهم لاختيار وجهات بديلة. ويؤكد أن تراجع أعداد السياح يعني انخفاض نسب الإشغال الفندقي وتراجع إيرادات الشركات العاملة في القطاع.
كما يلفت إلى أن التحول نحو أنظمة التسجيل الذاتي أو الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يكون محدوداً في قطاع الضيافة مقارنة بقطاعات أخرى، لأن هذا النشاط يعتمد بشكل أساسي على العنصر البشري وجودة الخدمة المباشرة.
ويختتم بالقول إن استمرار حملة تشديد الهجرة التي تبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيُبقي قطاع الضيافة أمام معادلة صعبة تتمثل في نقص العمالة وارتفاع التكاليف، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى زيادة الأسعار وتعزيز الضغوط التضخمية داخل هذا القطاع الحيوي.

