البنوك الأميركية
في وقت كانت فيه تداعيات التشديد النقدي وارتفاع أسعار الفائدة تثير قلق الأسواق بشأن متانة القطاع المالي، جاءت أرقام الأرباح لتقدّم رواية مختلفة تماماً عن أداء البنوك الأميركية.
بينما انشغل المستثمرون بمخاطر التعثر وتباطؤ الائتمان، كانت المؤسسات المصرفية تعزز هوامشها وتراكم مكاسب قياسية، مستفيدة من بيئة فائدة مرتفعة ونشاط قوي في الإقراض والتداول.
ووفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية:
- حققت البنوك الأميركية أرباحاً قياسية العام الماضي بلغت حوالي 300 مليار دولار، حيث دفعت الصناعة مستويات أقل من الفائدة للمدخرين مع الاستفادة من ارتفاع نشاط الإقراض وخسائر الائتمان المعتدلة.
- بلغت أرباح أكثر من 4300 بنك أميركي في عام 2025 ما مجموعه 295.6 مليار دولار، استناداً إلى بيانات المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع (FDIC) التي جمعتها BankRegData .
- يمثل هذا ارتفاعاً بنسبة 10 بالمئة مقارنةً بالعام السابق، مسجلاً رقماً قياسياً جديداً، ومتجاوزاً الرقم القياسي السابق للقطاع المصرفي البالغ 279 مليار دولار في العام 2021.
تُسلط هذه الأرقام الضوء على فترة ازدهار للقطاع المصرفي الأميركي في عهد إدارة ترامب، والتي أسهمت في رفع رواتب كبار المسؤولين التنفيذيين في هذا القطاع.
أضافت البنوك حوالي 750 مليار دولار إلى محفظة قروضها البالغة 13.5 تريليون دولار، بينما انخفضت حصة القروض المصنفة على أنها متعثرة بشكل طفيف إلى 1.56 بالمئة من 1.6 بالمئة قبل عام.
في حين أن إجمالي مبلغ الأرباح بالدولار يمثل رقماً قياسياً في هذا القطاع، إلا أنه كان ثامن أعلى عام منذ عام 2003 من حيث معدل العائد على أصول البنوك.
أداء مختلف
يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro ميشال صليبي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- أداء القطاع المصرفي خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب يختلف نسبياً عمّا كان عليه خلال ولايته الأولى، نظراً لاختلاف البيئة الاقتصادية والمالية الحالية، والتي تتسم بمعدلات تضخم أعلى وأسعار فائدة مرتفعة وعجز مالي متزايد.
- المصارف الأميركية استفادت بشكل واضح من مستويات الفائدة المرتفعة المدعومة بسياسة الفيدرالي، إذ أسهم ذلك في توسيع هامش صافي الفائدة، حيث ارتفعت عوائد القروض بوتيرة أسرع من تكلفة الودائع، ما انعكس مباشرة على أرباح البنوك، خصوصاً الكبرى منها مقارنة بالبنوك الإقليمية.
- البيئة التنظيمية أصبحت أكثر مرونة بعد أزمة البنوك الإقليمية في عام 2023، حيث جرى تخفيف بعض القيود المفروضة على القطاع، ما خفّف الضغوط المرتبطة بمتطلبات رأس المال وأتاح مجالاً أوسع للتوسع في الإقراض وتعزيز عمليات الاندماج والاستحواذ.
ويضيف أن السياسات المالية التوسعية والتحفيز الاقتصادي، رغم استمرار الفائدة المرتفعة، أسهما في زيادة الطلب على التمويل، سواء من الشركات أو من مشاريع البنية التحتية والطاقة، وهو ما دعم نشاط الإقراض والخدمات المصرفية الاستثمارية.
ويؤكد صليبي أن ارتفاع التقلبات في الأسواق المالية كان عاملاً إضافياً في تعزيز أرباح البنوك، إذ شهدت إيرادات التداول والخدمات الاستثمارية نمواً ملحوظاً لدى المؤسسات المالية الكبرى مثل JPMorgan Chase وBank of America وGoldman Sachs، مدفوعة بالتقلبات المرتفعة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
ويختم حديثه بالإشارة إلى أن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، إلى جانب النشاط القوي في الأسواق المالية، من المرجح أن يظل عاملاً رئيسياً داعماً لربحية القطاع المصرفي الأميركي خلال المرحلة المقبلة.
الفيدرالي الأميركي
منذ العام 2022، شرع الاحتياطي الفيدرالي في دورة تشديد نقدي غير مسبوقة، رافعاً أسعار الفائدة من مستوياتها المتدنية التي سادت خلال حقبة الجائحة، في محاولة لكبح جماح التضخم واستعادة الانضباط السعري.
أعاد هذا التحول الحاد في كلفة الأموال رسم خريطة المخاطر في الأسواق، وأثار تساؤلات عميقة بشأن قدرة المقترضين على التكيّف مع بيئة تمويلية أكثر صرامة، بعدما اعتادوا لسنوات على سيولة رخيصة وشروط اقتراض ميسّرة.
بدت المخاوف أكثر حدّة على صعيد المستهلكين الأميركيين، الذين اندفعوا إلى الاقتراض بكثافة خلال فترة الوباء مستفيدين من أسعار الفائدة المتدنية وحزم التحفيز السخيّة. ومع ارتفاع كلفة خدمة الديون، باتت الأسر تواجه ضغوطاً متعددة.
وتبعاً لذلك، وجد القطاع المصرفي نفسه أمام اختبار دقيق بين الاستفادة من هوامش فائدة أعلى من جهة، ومواجهة مخاطر جودة الأصول من جهة أخرى. فارتفاع الفائدة عزّز العوائد على الإقراض، لكنه في الوقت ذاته رفع احتمالات التعثر، خصوصاً في القروض العقارية والتجارية. كما فرضت تقلبات الأسواق وضغوط السيولة تحديات إضافية على ميزانيات البنوك، ما دفعها إلى تشديد معايير الإقراض وتعزيز المخصصات، في محاولة لاحتواء أي تداعيات محتملة على الاستقرار المالي.
فترة ازدهار
يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- القطاع المصرفي الأميركي شهد فترة ازدهار غير مسبوقة خلال عهد إدارة دونالد ترامب، إذ حققت البنوك أرباحاً قياسية وقفزت قيمتها السوقية بشكل لافت، متفوقة على نظيراتها الأوروبية بفارق كبير.
- هذه الطفرة لم تكن نتيجة صدفة، بل جاءت ثمرة حزمة من السياسات الاقتصادية والتشريعية التي وفرت بيئة مواتية لتحقيق مكاسب تاريخية.
- العامل الأهم في هذا التحول كان إقرار قانون التخفيضات الضريبية وفرص العمل الذي خفّض ضريبة الشركات بشكل ملموس، ما وفر مليارات الدولارات للمؤسسات المالية ورفع أرباحها بصورة مباشرة دون الحاجة إلى توسع تشغيلي كبير.
- كما أسهمت إعادة تقييم الالتزامات الضريبية المؤجلة وتشجيع إعادة الأرباح المحتجزة في الخارج في تعزيز السيولة داخل النظام المالي الأميركي.
ويشير سعيد إلى أن التخفيف التنظيمي كان ركيزة أساسية أخرى؛ إذ أعطت الإدارة الأميركية أولوية لتقليل القيود التنظيمية المفروضة بعد الأزمة المالية العالمية، خصوصاً تلك المرتبطة بقانون قانون دود-فرانك للإصلاح المالي. وتم رفع الحد الأدنى للأصول الخاضعة للرقابة المشددة من 50 مليار دولار إلى 250 مليار دولار، ما أعفى عشرات البنوك الإقليمية والمتوسطة من تكاليف الامتثال المرتفعة. كما جرى تخفيف القيود المرتبطة بقاعدة فولكر ومعايير الرقابة واختبارات الضغط، الأمر الذي أعاد للبنوك مرونتها التشغيلية وقدرتها التنافسية عالمياً.
ويؤكد أن بيئة أسعار الفائدة لعبت دوراً محورياً في تعزيز ربحية البنوك، إذ أسهم ارتفاع الفائدة في توسيع هامش الفائدة الصافي، وهو الفرق بين تكلفة الودائع وعوائد الإقراض. وقد أدى ذلك إلى زيادة أرباح الأنشطة المصرفية التقليدية ودعم التوسع في الإقراض مع مستويات منخفضة نسبيًا من الخسائر الائتمانية.
كما استفادت البنوك من قوة الاقتصاد الأميركي خلال تلك الفترة، مع انخفاض معدلات البطالة وزيادة الاستهلاك، ما رفع الطلب على القروض للأفراد والشركات والرهن العقاري، بالتوازي مع تحسن جودة المحافظ الائتمانية. وأسهمت الطفرة في أسواق المال في تعزيز إيرادات إدارة الثروات والوساطة المالية، بينما شهد نشاط الاستثمار المصرفي نمواً قوياً مع ارتفاع صفقات الاندماج والاستحواذ والاكتتابات العامة، وهو ما وفر رسوماً وعمولات ضخمة للبنوك الكبرى. كذلك وفرت التقلبات في الأسواق، خصوصاً المرتبطة بإعلانات الرسوم الجمركية، فرصاً إضافية لتحقيق إيرادات قوية من أنشطة التداول في الأسهم والسندات.
ويوضح سعيد أن البنوك لم تعتمد فقط على العوامل الخارجية، بل عملت داخلياً على خفض التكاليف التشغيلية من خلال التوسع في الحلول الرقمية وإعادة هيكلة المصروفات، ما أدى إلى تحسين العائد على الأصول وحقوق الملكية. كما تم توجيه السيولة المتاحة إلى برامج إعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح، وهو ما ساهم في رفع ربحية السهم وتعزيز ثقة المستثمرين في القطاع.
مخاطر
ورغم النتائج الإيجابية، يشير سعيد إلى أن هذه الطفرة لا تخلو من المخاطر، إذ إن جزءاً من الأرباح كان ذا طبيعة دورية ومرتبطاً بظروف ضريبية وتنظيمية استثنائية، وليس بتحول هيكلي كامل في نماذج الأعمال المصرفية.
ويضيف خبير أسواق المال أن التخفيف الرقابي السريع قد يزيد من التعرض لمخاطر السيولة والدخل غير التقليدي في حال تباطؤ النشاط الاستثماري أو تغير اتجاه أسعار الفائدة.
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن تلك المرحلة مثلت فرصة استثنائية للقطاع المصرفي الأميركي للانتقال من مرحلة القيود التنظيمية المشددة إلى مرحلة توسع مالي واسع، لكنها في الوقت ذاته أثارت جدلًا حول زيادة العجز المالي الفيدرالي واتساع فجوة عدم المساواة، نظرًا إلى أن المكاسب الأكبر ذهبت للشركات الكبرى والمستثمرين أكثر من الأسر العادية.
هل تكسر الصين هيمنة الدولار الأميركي؟

