في مسلسل “الست موناليزا”، قدّمت الممثلة المصرية سوسن بدر أداءً استثنائياً يؤكد مجدداً أنها واحدة من أهم الممثلات القادرات على الغوص في أعماق النفس البشرية وكشف أكثر مناطقها تعقيداً.
لم تتعامل مع شخصية “سميحة” بوصفها مجرد أم شريرة تقليدية، بل منحتها أبعاداً نفسية كثيفة جعلت منها نموذجاً متكاملاً لـ”الشر المقنّع” خلف ستار الأمومة.
تميّز أداؤها بقدرة مدهشة على التحوّل اللحظي؛ فكانت تنتقل بسلاسة بين الضعف المصطنع والانكسار المتعمد، وبين قسوة باردة تكشف عن عقل مدبّر لا يعرف التردد. هذا التلوّن لم يكن استعراضاً شكلياً، بل جاء مدروساً ومبنياً على فهم عميق لدوافع الشخصية وجشعها وطمعها غير المحدود. أمام كنتها التي تجسدها الممثلة المصرية مي عمر، بدت سميحة وديعة منكفئة، بينما في لحظات التخطيط والتآمر كانت تتحول إلى طاقة شرسة تضج بالدهاء والصرامة.
أكثر ما يحسب لسوسن بدر هو تلك “الأريحية” في أداء الشر؛ فهي لا تدفع الشخصية إلى المبالغة، بل تتركها تتسلل بهدوء إلى وجدان المشاهد. عبر لغة جسد محسوبة، ونبرات صوت تتبدل بين الحنان الزائف والحدّة القاطعة، صنعت مفارقة شعورية أربكت المتلقي وأبقته في حالة ترقب دائم. هذا التحكم الدقيق في الأدوات منح الشخصية صدقيتها، وجعل كراهيتها أمراً مفهوماً درامياً لا مبالغاً فيه.
لقد نجحت في تحويل “سميحة” إلى حالة درامية متكاملة، شخصية تثير النفور لكنها تفرض الاحترام لأدائها المتقن. وبذلك، تثبت سوسن بدر مرة جديدة أنها ممثلة من طراز رفيع، قادرة على تطويع ملامحها وصوتها وحضورها لتجسيد أكثر الشخصيات قتامة، تاركة أثراً قوياً لا يُمحى في ذاكرة المشاهد.

