غيب الموت في الخامس من آذار (مارس) 2026، الكاتب والسيناريست اللبناني الكبير أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً درامياً وإبداعياً يتجاوز المئة عمل، رسمت ملامح العصر الذهبي للتلفزيون والمسرح في لبنان والوطن العربي.
النشأة والبدايات: من علم النفس إلى الشاشة
ولد أنطوان يوسف غندور في 5 نيسان (أبريل) 1942 في بلدة عين علق في المتن، تلقى علومه في مدرسة “الشانفيل” بمنطقة جونية، ثم انتقل لدراسة علم النفس في جامعة الحكمة. ورغم رغبة والده في دخوله عالم التجارة، إلا أن شغفه بالكتابة جذبه إلى أروقة “تلفزيون لبنان” وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة، ليبدأ مسيرة مهنية استمرت لأكثر من ستة عقود.
كيف صنع أنطوان غندور هوية الدراما؟
يُعتبر أنطوان غندور أحد مؤسسي الدراما اللبنانية الأصيلة، هو أول من تجرأ على كتابة حلقة تلفزيونية مدتها ساعة ونصف الساعة (“أديب وقصة” و”كانت أيام”) بديكورين فقط، متحدياً الإمكانات التقنية آنذاك. امتاز أسلوبه بالقدرة الفائقة على تطويع التاريخ وصياغته في قالب درامي مشوق، مع عناية خاصة بالحوار الذي كان يعتبره الركيزة الأساسية للعمل.
أبرز محطاته التلفزيونية:
في التلفزيون:ارتبط اسمه بروائع منها “بربر آغا”، “أخوت شانيه”، “طانيوس شاهين”، و”دويك يا دويك”. كما قدم في “أديب وقصة” معالجات درامية لأعمال كبار الأدباء منهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة.
في السينما:كتب سيناريو فيلم “كلنا فدائيون” (1969) الذي تناول القضية الفلسطينية، وفيلم “غارو”.
في المسرح:قدم أعمالاً مهمة على خشبة كازينو لبنان، منها “القبقاب” و”ثوار الجليل”، وصولاً إلى آخر أعماله “نقدم لكم وطناً” عن البطريرك الحويك.
في الإذاعة:تفرغ في سنواته الأخيرة للكتابة الإذاعية عبر إذاعة صوت لبنان لمدى 12 عاماً.
صانع النجوم.. “المتواضع في الظل”
كان لـ أنطوان غندور الفضل الأكبر في صناعة نجومية أسماء عملاقة؛ فقد كان يكتب الشخصيات خصيصاً لممثليه المفضلين، ما أظهر طاقات إبداعية لافتة لدى ممثلين منهم أنطوان كرباج (الذي جسد شخصية بربر آغا ببراعة)، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر. ورغم كل هذا التأثير، عُرف أنطوان غندور بتواضعه الشديد وميله إلى البقاء بعيداً عن الأضواء.
بين وجع الدراما اللبنانية وحلم “العالمية”
في سنواته الأخيرة، لم يخلُ حديثه من غصة؛ فقد كان يتألم لما وصفه بالتشويه الذي أصاب الدراما الجديدة بتأثير الأنماط المكسيكية والتركية، كما كانت لديه حسرة بأن أعماله الذهبية لم تعاصر عصر البث الفضائي والمنصات، ما حرمها من الانتشار العربي الواسع الذي تستحقه.
الجوائز والتكريمات
حصدت أعمال أنطوان غندور العديد من الجوائز، أبرزها جائزة التلفزيون الأولى في الكويت وجامعة الدول العربية عن مسلسل “سقوط زهرة البيلسان”. وفي نيسان (أبريل) 2024، كرمه وزير الإعلام اللبناني السابق زياد مكاري بدرع تقديري تقديراً عن مسيرته الاستثنائية.
رحل أنطوان غندور، لكن شخصياته التي استلهمها من بيروت العتيقة وقرى الجبل وتاريخ لبنان، ستبقى محفورة في الذاكرة الجماعية كشاهد على زمن كان فيه الحوار “كياناً وملاذاً”.


