على خطى مسلسل “الاختيار 3″، يأتي مسلسل “رأس الأفعى” ليؤكد أن الدراما الوطنية المصرية لم تعد مجرد ترفيه، بل هي وثيقة حية تمزج ببراعة بين الأداء التمثيلي وبين وقائع حقيقية سطّرها الجيش المصري في معاركه الضارية ضد الإرهاب والتطرف، ويطل علينا الممثل أمير كرارة في دور “مراد عز الدين”، ليثبت مجدداً قدرته الفائقة على تطويع أدواته التمثيلية بما يخدم هيبة البدلة العسكرية، فمراد ليس مجرد ضابط، بل هو قائد يمسك بزمام الأمور بحكمة واستراتيجية المحارب، دون أن يفقد إنسانيته كأب حنون وزوج ودود، يمزج في قيادته بين صرامة الواجب وقلق القائد على ضباطه.
ورغم الدقة الأمنية العالية التي يتسم بها العمل، إلا أن عين المشاهد الفاحصة توقفت عند مداهمة الحلقة 11، إذ ظهر بعض الضباط من دون ارتداء الخوذة القتالية، وهي ملحوظة تقنية هامة لأن الضابط هو القدوة لمجنديه، والالتزام بمعايير السلامة الميدانية هو جزء أصيل من هيبة الموقف العسكري وصورته الواقعية. وفي مقابل هذه الصرامة، قدم أحمد غزي دور “النقيب حسن” ببراعة، مجسداً صورة الدماء الجديدة المندفعة التي تواجه سيل المؤامرات بروح مقاتل لا يهاب التجربة، بينما برعت كارولين عزمي في دور “النقيب نورا سليمان” من خلال تجسيد الصراع النفسي للمرأة في الميدان، فهي الضابطة المتمرسة الجادة، وهي في الوقت ذاته الأنثى التي تعاني من انكسار عائلي وتفتقر لمهارات التدبير المنزلي، ما خلق توازناً درامياً بين الصلابة والهشاشة الإنسانية.
أما الجانب الإنساني العميق، فقد جسدته الممثلة ماجدة زكي بدور والدة مراد، وهي الأم المصرية التي تجمع بين خفة الظل الفطرية وبين خوف وجودي لا يفارقها على ابن يضع حياته على كفه كل يوم، وفي سياق مختلف تماماً، أثبت الممثل محمود البزاوي عبقريته في موسم رمضان 2026 عبر تلون ملحوظ، فبينما يجسد الشر والجشع في مسلسل “علي كلاي”، نراه في “رأس الأفعى” الأب الفكاهي الذي يسعى لتزويج ابنه وينافس جاره في لقطات طريفة، مؤكداً أنه جوكر الدراما بلا منازع.
ونحن من لبنان، ننظر بتقدير واعتزاز لهذه القدرة المصرية الفذة على تكريم الشهداء من خلال الفن، وتحويل قصصهم إلى رسائل وطنية عابرة للأجيال، تزرع في النفوس أن الهزيمة لا تلغي العزيمة، وأن الشهيد سيظل دائماً حبيب الله.
إن مسلسل “رأس الأفعى” يقطع ذيول الفتنة بكلمة الحق، معلناً أن الكلمة العليا ستظل دائماً للوطنية وللجيش، ليرسخ حقيقة أن الجيوش الوطنية هي السد المنيع الذي يحفظ للأوطان سيادتها واستقلالها في كل زمان ومكان.

