نشرت في
بات الاتفاق الاستراتيجي بين المملكة المتحدة وفرنسا، الذي يمول دوريات مشتركة على الشواطئ الفرنسية لاعتراض قوارب المهاجرين، على شفا الانهيار قبل ساعات من انتهاء صلاحيته، في ظل جمود تام للمفاوضات حول بنود التجديد وسط خلافات حادة تتعلق بأرقام الاعتراضات ومخاطر السلامة على طالبي اللجوء.
اعلان
اعلان
وتتجه المحادثات نحو طريق مسدود رغم التدخل المباشر على مستوى الوزراء، بما في ذلك شبانة محمود، وزيرة الداخلية البريطانية، مع اقتراب الموعد النهائي لانتهاء سريان الصفقة الحالية عند منتصف ليلة الثلاثاء.
وتُقدّر قيمة الاتفاق المزمع تجديده بثلاث سنوات بنحو 480 مليون جنيه إسترليني، في حين ينتظر الطرفان حلاً أخيراً قد لا يأتي في الوقت المحدد.
اشتراطات لندن ومخاوف باريس
تشير المعلومات المتوفرة إلى أن مقر رئاسة الوزراء البريطاني (داونينغ ستريت) يشدد على شرط زيادة عدد ونوعية التدخلات التي تقوم بها السلطات الفرنسية لكسر نشاط عصابات التهريب. غير أن باريس ترفض هذه الشروط بحجة أنها قد تضع حياة طالبي اللجوء في خطر أكبر، مما خلق هوة واسعة بين الموقفين.
ويُمثل هذا التطور أحدث منعطف دراماتيكي في الحوار المستمر بين الحكومتين حول آليات وقف الرحلات غير الشرعية عبر القناة الإنجليزية، وحول الجهة التي يجب أن تتحمل العبء المالي الأكبر لهذه العمليات.
ورغم تأكيد المسؤولين البريطانيين أن أي انقطاع في الاتفاق لن يؤدي إلى “هاوية” أمنية، وأن الإجراءات ضد عصابات التهريب ستستمر على الشواطئ الفرنسية، إلا أن المنظمات غير الحكومية العاملة مع اللاجئين وصفت عدم التوصل لاتفاق حتى هذه اللحظة بأنه “أمر استثنائي” ومقلق.
جذور الأزمة وأرقام التمويل
يعود تاريخ الاتفاق الحالي إلى عام 2023، عندما وقعه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ريشي سوناك، ورصدت لندن بموجبه 475 مليون جنيه إسترليني لزيادة أعداد الضباط الفرنسيين المكلفين بالاعتراضات. وتتحمل المملكة المتحدة حالياً ما يقرب من ثلثي التكلفة السنوية لدوريات شمال فرنسا.
وتسعى وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود، في جولة المفاوضات الجديدة إلى ربط تمويل السنوات الثلاث المقبلة بزيادة ملموسة في أعداد اعتراض القوارب الصغيرة، مطالبة في الوقت ذاته بتدفق منتظم ودقيق للمعلومات حول حصيلة التدخلات الميدانية.
تصعيد وزاري وفشل في المسار التقني
وكشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عن فشل المفاوضات، نقلاً عن مصدر في وزارة الداخلية الفرنسية أكد أن الملف ارتفع بالكامل إلى المستوى الوزاري بعد تعثر الحلول التقنية.
وكانت المحادثات تُدار سابقاً بواسطة مسؤولين من قيادة أمن الحدود البريطانية برئاسة مارتن هيويت، الذي استقال من منصبه مطلع الشهر الجاري بعد 18 شهراً فقط من ولايته المحددة بثلاث سنوات.
وعبر كزافييه دوسيب، الأمين العام للمديرية العامة للبحار، عن قلق عميق أمام لجنة تحقيق برلمانية الأسبوع الماضي، قائلاً: “ما نريده هو مساهمة بريطانية في تمويل أنظمة الاعتراض باهظة الثمن، لكن دون جعل هذا التمويل مشروطاً بنوع من الكفاءة قد يكون خطيراً للغاية على المهاجرين وعلى أجهزة الأمن وعلى فرنسا… فالإنقاذ يأتي أولاً، والقانون أيضاً”.
تراجع معدلات الاعتراض وإحباط بريطاني
تظهر الأرقام الميدانية تراجعاً في فعالية العمليات، حيث تعترض السلطات الفرنسية حالياً نحو ثلث محاولات العبور فقط، مقارنة بنسبة تجاوزت 50% في عام 2023 عند توقيع الاتفاق السابق.
وتعتقد وزارة الداخلية البريطانية أن رفع نسبة الاعتراض إلى أربعة أخماس القوارب هو السبيل الوحيد لتفكيك النموذج الاقتصادي لعصابات التهريب.
وفي كواليس الحكومة البريطانية، أعرب وزراء ومسؤولون عن إحباطهم من عدم تدخل السلطات الفرنسية لاعتراض ما يُعرف بـ”قوارب الأجرة” التي تقلّ المهاجرين من المياه الضحلة قرب الساحل.
وكان المسؤولون الفرنسيون قد ألمحوا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى بدء استهداف الزوارق المطاطية الفارغة المستخدمة في هذه العمليات، لكن السياسة أُجلت بعد تدخلات محدودة، إثر تحذيرات من نقابات الشرطة من أن الإجراء قد يعرض حياة المهربيين والمهاجرين والضباط للخطر، ويترك المسؤولين عرضة للملاحقة القضائية في حال وقوع غرق أو إصابات.
انتقادات منظمات حقوقية وتحذيرات من الوفيات
على جانبي القناة الإنجليزية، تتصاعد أصوات المنظمات غير الحكومية الرافضة لهذه المقاربة، مؤكدة أن الاتفاقيات المكلفة لا تحقق الهدف المنشود.
وقالت لافانيا بالابي، المديرة التنفيذية لمجلس الرعاية المشترك للمهاجرين: “سياسات الحدود هذه تقتل. فقد أظهرت أبحاث نُشرت مؤخراً أن آخر اتفاق بين المملكة المتحدة وفرنسا أدى إلى طفرة في الوفيات”، مضيفة أن أي صفقة جديدة لن تمنع الناس من عبور القناة.
بدوره، قال لاكلان ماكراي من مجموعة “كاليس فود كولكتيف” الداعمة: “إنه لأمر استثنائي ألا يُوقَّع هذا الاتفاق، لكن الواضح أنه سواء وُقّع أم لا، فإن هذه السياسات فاشلة. إذا كانت الحكومة تريد حقاً ‘تحطيم العصابات’ كما تدعي، فعليها السماح بإنشاء مسارات آمنة ومتاحة لطالبي اللجوء، بدلاً من إلقاء المزيد من أموال دافعي الضرائب البريطانيين في جيب الشرطة الفرنسية”.
في المقابل، دافع متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية عن مسار المفاوضات والنتائج المحققة، قائلاً: “تعدّ فرنسا شريكنا الأهم في شؤون الهجرة، وعملنا المشترك يضغط على عبور القوارب الصغيرة. لقد منعنا أكثر من 40 ألف محاولة عبور منذ تولّت هذه الحكومة مهامها. واتفاقنا التاريخي يعني أن “المهاجرين غير النظاميين الذين يصلون على متن قوارب صغيرة يتم إعادتهم فوراً”.

