في رمضان 2026، أطل علينا مسلسل “حكاية نرجس” كلوحة درامية متقنة، حيث يلتقي التشويق النفسي بالواقع الاجتماعي في تناغم فني يثير الفضول ويستفز العاطفة.
من تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء، وبطولة ريهام عبد الغفور، يتحول المسلسل إلى تجربة تلفزيونية تذكّرنا بأن قوة الدراما تكمن في صراعات البشر الداخلية أكثر من أي مؤثر بصري لحظي.
وصمة وعتمة… بداية مأساوية
تبدأ الحكاية بصدمة: نهاية زواج نرجس بسبب عقمها، وزواج زوجها بأخرى بحثًا عن طفل. لحظة تتجاوز كونها حدثًا شخصيًا لتصبح جرحًا مجتمعيًا يرافق المرأة، يطاردها في كل نظرة، في كل كلمة تُقال خلف ظهرها. نرجس تقف أمام هذا الظل، تحاول النهوض، لكن العقم يظل شبحًا يلاحقها، محمولًا بأحلام الأمومة والحنين للأطفال، حتى تتحول فكرة كفالة طفل إلى تجربة مزدوجة: فرح مؤقت وعبء وهمي، يفتح الطريق للجريمة، نقطة التحول التي تشعل مسار الأحداث.
تشويق ينبع من الصراع الداخلي
بعيدًا عن مشاهد الصدمة أو “قفشات” الترند، يبني المسلسل تشويقًا حقيقيًا ينبع من النفس البشرية نفسها. كل حلقة تعكس صراعًا داخليًا، كل قرار يجلب مأزقًا جديدًا، كل لحظة انتظار تجعل المتفرج يعيش مع نرجس حيرتها وألمها، وكأننا نسير معها خطوة بخطوة في دروب مجهولة.
حي يتنفس الحياة
المكان في “حكاية نرجس” أكثر من خلفية، هو شاهد وراوي. شقق متوسطة، شوارع عادية، محال صغيرة، وألوان تميل إلى البني والأخضر الزيتي، تجعل المدينة جزءًا من نفسية الشخصيات. المخرج سامح علاء، بخلفيته السينمائية، يحوّل التفاصيل اليومية إلى رموز، ويصنع إحساسًا بالواقعية دون مبالغة، فالعالم الذي تتحرك فيه نرجس يبدو مألوفًا، لكنه محمّل بأصداء الصراع الداخلي.
أداء بين القسوة والإنسانية
ريهام عبد الغفور تمنح نرجس الحياة بروح مزدوجة: امرأة ترتكب أفعالًا قاسية، بسبب حالتها النفسية، فتجذب التعاطف في بعض اللحظات، وتثير الرعب في لحظات أخرى، لتصبح شخصية حيّة تتنفس تناقضات الواقع. أداء الفريق الآخر يدعم هذا البناء النفسي، ويجعل الرحلة الدرامية أكثر صدقًا وتأثيرًا.
الغموض والواقع
المسلسل مستوحى من قصة حقيقية، ما يضفي على الأحداث ثقلًا أخلاقيًا وإنسانيًا. القبض على نرجس، ومحاولاتها المستمرة إنكار الحقيقة، تجعل المشاهد أمام لغز نفسي واجتماعي، يذكرنا بالمأساة الحقيقية لعزيزة السعداوي، ويطرح أسئلة عن الهوية، الأمومة، والبحث عن الحقيقة وسط غياب العدالة الاجتماعية.
خاتمة شاعرية
“حكاية نرجس” عمل يثبت أن الدراما القوية تحتاج إلى قصص واعية، تقوم على إنسان يعيش بين الظل والنور، بين الرغبة والوصمة، وأن نحكي قصته بصدق وحساسية. هنا، تتلاقى القصة مع الصورة، والشخصية مع الواقع، ليولد مسلسل يُحاكي القلب قبل العين، ويترك أثره طويلًا بعد آخر مشهد.

