سوق العمل الأميركية
سجّلت سوق العمل الأميركية انتعاشًا في مارس، مما قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي هامشاً مؤقتاً للتنفس وسط بيئة اقتصادية معقدة.
رغم التحسن الظاهر، فإن الاتجاه العام لسوق العمل لا يزال بطيئاً، ما يحث صانعي السياسة النقدية على التعامل بحذر مع أي خطوات مستقبلية، وفق ما يؤكده محللون.
منح تقرير الوظائف الأخير صانعي السياسات مزيدًا من القدرة على التركيز على التضخم، إذ يوفر الاستقرار النسبي في سوق العمل فرصة للحفاظ على أسعار الفائدة دون تغيير في المدى القريب. ويبدو أن الفيدرالي يوازن بين نمو الوظائف الضمني والضغوط التضخمية، مع الأخذ بعين الاعتبار تراجع مشاركة القوى العاملة كعامل حاسم في تقييم قوة السوق الحقيقية.
فيما تستدعي البيانات الجديدة نهجًا حذرًا واستراتيجيًا، مع توقع استمرار الفيدرالي في مراقبة سوق العمل والتضخم عن كثب قبل أي تعديل في السياسة النقدية. ويشير الخبراء إلى أن أي خطوات مستقبلية ستسعى لتحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار ودعم الوظائف، في ظل بيئة اقتصادية دولية مليئة بالتحديات.
- انتعشت سوق العمل الأميركية في مارس، مع نمو الوظائف بشكل أقوى من المتوقع، رغم أن الصورة العامة لسوق العمل البطيء النمو بقيت على حالها.
- ارتفعت الوظائف غير الزراعية بمقدار 178,000 وظيفة معدلة موسمياً خلال الشهر، عاكسة الانخفاض البالغ 133,000 وظيفة في فبراير، ومتجاوزة تقديرات إجماع داو جونز التي كانت 59,000 وظيفة، بحسب ما أفاد مكتب إحصاءات العمل يوم الجمعة.
- تمت مراجعة أرقام فبراير بانخفاض قدره 41,000 وظيفة، فيما ارتفعت أرقام يناير بمقدار 34,000 وظيفة لتصل إلى 160,000 وظيفة، ما يجعل متوسط الثلاثة أشهر الأخيرة حوالي 68,000 وظيفة.
- وانخفض معدل البطالة إلى 4.3 بالمئة، لكن هذا الانخفاض جاء إلى حد كبير نتيجة تراجع حاد في قوة العمل، وفق تقرير لشبكة “سي إن بي سي” الأميركية.
وينقل التقرير عن كبيرة الاقتصاديين في Navy Federal Credit Union، هيذر لونغ، قولها:
- “الخلاصة أن شهر مارس كان مشجعًا إلى حد ما، لكن كان عامًا صعبًا لسوق العمل مع شبه توقف التوظيف منذ أبريل الماضي”.
- “ستجعل بيانات مارس البنك الفيدرالي يحافظ على السياسات الحالية.. من المرجح أن يكون الربيع صعبًا على الباحثين عن العمل”.
قدر من الارتياح
تعليقاً على ذلك، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets،جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- تقرير الوظائف الأميركي الأخير يمنح قدراً من الارتياح، ويخفف الضغوط عن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، خاصة في ظل التحديات التي شهدها سوق العمل خلال الفترة الماضية، حيث أظهرت البيانات قبل عام 2025 تباطؤاً واضحاً في وتيرة خلق الوظائف.
- أرقام التضخم، رغم بقائها أعلى من المستوى المستهدف عند 2 بالمئة، إلا أنها جاءت معتدلة نسبياً، وهو ما يتماشى مع تصريحات جيروم باول التي شددت مراراً على أهمية تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار وقوة سوق العمل.
- تراجع معدل البطالة يوفر دعماً إضافياً للاقتصاد الأميركي، ويمنح الفيدرالي مساحة أكبر للتركيز على مسار التضخم خلال الفترة المقبلة، لا سيما مع ترقب صدور بيانات أسعار المستهلكين، التي ستعكس تأثير ارتفاع أسعار المشتقات النفطية مثل البنزين والديزل.
ويوضح يرق أن سوق العمل الأميركية لا تزال تفاجئ الأسواق، خاصة مع تكرار المراجعات السلبية للبيانات السابقة، ما يستدعي الحذر في قراءة المؤشرات المستقبلية. ويلفت إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد نهجاً حذراً من قبل الفيدرالي، مع استمرار الموازنة بين تطورات سوق العمل ومسار التضخم.
ويتوقع أن يحافظ الاحتياطي الفيدرالي على مستويات الفائدة الحالية خلال الأشهر المقبلة، دون أي تعديلات جوهرية قبل نهاية الصيف، مؤكداً أن الضغوط التضخمية ستظل عاملاً رئيسياً يؤثر على المستهلكين والشركات، خصوصاً فيما يتعلق بقرارات التوظيف والاستثمار، في ظل ترابط هذه العوامل داخل الاقتصاد الأميركي.
يشير تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أنه:
- من المرجح أن تُسهّل أحدث أرقام الوظائف مهمة بنك ا لاحتياطي الفيدرالي الأميركي، على الأقل في الوقت الحالي.
- خلال معظم العام الماضي، وجد الفيدرالي نفسه في وضع الانتظار والترقب أثناء تقييم التداعيات الاقتصادية للتغيرات السياسية الجذرية التي فرضها الرئيس ترامب، والتي أعادت تشكيل التجارة العالمية وقلّبت سوق العمل رأسًا على عقب.
- الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تهدد بدفع صانعي السياسات إلى مزيد من الارتباك وعدم اليقين.
- ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب من المرجح أن يزيد من ضغوط التضخم، لكنه قد يُضعف الاقتصاد في الوقت نفسه، ما يضع جانبي تكليف البنك المركزي -الأسعار المستقرة والتوظيف الكامل – في حالة تضارب محتمل.
مع ذلك، يشير تقرير الوظائف لشهر مارس إلى أن سوق العمل لا تزال صحية نسبية؛ فقد تجاوز نمو الوظائف التوقعات بفارق واسع، فيما انخفض معدل البطالة – الذي يراقبه مسؤولو البنك الفيدرالي عن كثب حالياً – إلى 4.3 بالمئة
وبحسب التقرير، فإن هذا الاستقرار قد يمنح صانعي السياسات مساحة للتنفس للتركيز على جانب التضخم من تكليفهم، وهو ما يعني على الأرجح أنهم سيحتفظون بأسعار الفائدة ثابتة في الوقت الحالي.
وكان من المتوقع مسبقًا أن يبقي البنك الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه القادم نهاية الشهر، فيما دفع المستثمرون تدريجيًا توقعاتهم بشأن موعد، أو حتى إمكانية، تخفيض أسعار الفائدة مرة أخرى إلى ما بعد ذلك.
هل البيانات “مخادعة”؟
يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- قراءة تقرير الوظائف الأخيرة يجب ألا تقتصر على العناوين الرئيسية التي توحي بقوة مطلقة في سوق العمل، بل تتطلب تحليلاً أعمق لجودة هذه البيانات.
- التقرير يبدو قوياً ظاهرياً، إلا أن هذه القوة أقل جودة مما تشير إليه الأرقام.
- انخفاض معدل البطالة تزامن مع تراجع معدل المشاركة في سوق العمل، وهو عامل بالغ الأهمية.
- جزء من هذا الانخفاض لا يعود فقط إلى خلق وظائف جديدة، بل إلى خروج عدد من الأفراد من سوق العمل، ما يعني أنهم لم يعودوا يُحتسبون ضمن الباحثين عن عمل.
ومن ثم، يعتقد بأن القراءة الأكثر دقة تكشف أن قوة التوظيف قد تكون مبالغاً فيها نسبياً، نتيجة انخفاض عدد المشاركين، وهو ما يعني أن الشركات لم تكن مضطرة لاستيعاب أعداد كبيرة من الباحثين الجدد، بل ربما اكتفت بجزء محدود من القوى العاملة المتاحة. ورغم أن إضافة نحو 178 ألف وظيفة تبدو رقماً قوياً، إلا أن الطلب الحقيقي على العمالة قد يكون أضعف مما يوحي به هذا الرقم.
ويؤكد صليبي أن تراجع البطالة في هذه الحالة لا يُعد مؤشراً إيجابياً كاملاً، إذ إن التحسن الحقيقي يتطلب ارتفاع التوظيف بالتزامن مع زيادة معدل المشاركة، بينما يشير انخفاض المشاركة إلى أن جزءاً من هذا التحسن ذو طابع إحصائي وليس اقتصادياً بالكامل.
ويضيف أن هذه المعطيات قد تخفف نسبياً من الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، موضحاً أن العناوين التي تعكس وظائف قوية وبطالة منخفضة قد تبدو تضخمية، إلا أن تراجع المشاركة يدل على أن سوق العمل لا يشهد حالة سخونة مفرطة، ما يمنح الفيدرالي مساحة لعدم المبالغة في التشديد النقدي أو تسريع وتيرته.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الاتجاه العام لا يزال يميل نحو التشدد، في ظل استمرار قوة نمو الوظائف وانخفاض البطالة، إلى جانب الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار النفط، مشيراً إلى أن الفيدرالي قد يتبنى قراءة متوازنة تعكس واقعاً مختلطاً: سوق عمل قوي، لكن ليس بالدرجة التي تستدعي تشديداً فورياً إضافياً.

