طريق “روت 66” في الولايات المتحدة، هذا الشريان الأسطوري الذي يمتد لنحو 3.940 كيلومترا من شيكاغو في إلينوي إلى سانتا مونيكا في كاليفورنيا، يحتفل هذا العام بمرور 100 عام على إنشائه، في محطة مفصلية لمسار ما يزال واحدا من أشهر رحلات الطرق في العالم.
اعلان
اعلان
الطريق الذي وصفه الكاتب جون شتاينبك بـ”الطريق الأم” تحوّل من شريان حياة للنازحين من منطقة “داست بول” في ثلاثينيات القرن الماضي إلى التجسيد الأبرز لفكرة القيادة على الطرقات الأميركية المفتوحة.
ورغم أن طرقا سريعة أحدث وأسرع باتت تربط بين كبرى المدن الأميركية، ما يزال طريق “روت 66” يجتذب المسافرين بفضل لافتات النيون المتوهجة، والمطاعم ذات الطابع الكلاسيكي، والنُزل التي أعيد ترميمها على جانبيه.
وكل محطة على طول الطريق تفتح نافذة على المجتمعات التي شكّلته، وعلى جاذبية نمط السفر الأبطأ والأكثر حنينا إلى الماضي.
إلينوي
لطالما كانت شيكاغو واحدة من المحركات الاقتصادية للبلاد، بفضل منفذها إلى المياه الدولية وشبكة السكك الحديدية التي ربطت أطراف الولايات المتحدة كافة. وفي عشرينيات القرن الماضي أدرك رجل الأعمال من أوكلاهوما سايرس أيفري، المعروف بلقب “أب طريق روت 66″، أن زمن سيطرة السيارات على مشهد النقل يقترب، وأن “مدينة الرياح” ستكون نقطة انطلاق مثالية للرحلة التي تخيّلها.
وبصفته عضوا في الهيئة الفدرالية المكلّفة برسم شبكة الطرق السريعة الأميركية، اختار أيفري الرقم 66 للطريق الجديد، مدركا أن هذين الرقمين المتماثلين يمتلكان قابلية عالية للتسويق، ويسهل ترسيخهما في أذهان السائقين.
بالنسبة إلى كثير من المسافرين، ما يغذي الرحلة ليس المناظر فحسب بل الطعام أيضا، وهنا تتوافر خيارات لا حصر لها: شرائح الفطائر المنزلية، والكوكتيلات السميكة، والبرغر بالجبنة، وتشكيلة من المأكولات المقلية.
يُعد مطعم “كوزي دوغ درايف إن” في سبرينغفيلد، عاصمة ولاية إلينوي، واحدا من المطاعم الكثيرة التي ظهرت على طول طريق “روت 66″، وقد صمدت نقانقه المقلية على أعواد خشبية أمام امتحان الزمن. ويقول مالكه من الجيل الثالث جوش وولدماير إن وصفة تحضيرها تبقى سرا عائليا.
فقد أدرك جدّه إد وولدماير مبكرا إمكانات هذا “الاختراع” كطعام سريع ومناسب لسائقي الطريق، وطوّر نظاما لقلي النقانق وهي موضوعة عموديا.
ميزوري
يحفل طريق “روت 66” بنصيبه من المنعطفات والتعرّجات، وليس مستغربا أن يعبر طريق يشتهر بالمزارات الغريبة على جانبيه نهرَ البلاد الأشهر فوق واحد من أكثر الجسور غرابة في الهندسة الحديثة.
فمع اقتراب الطريق من سانت لويس، يمتد جسر “تشاين أوف روكس” بطول كيلومتر واحد فاصل ستة من عشرة، على ارتفاع يزيد على ثمانية عشر مترا فوق نهر المسيسيبي.
ومع الوقت شُيّد مسار أكثر استقامة يسمح بالقيادة بسرعات أعلى، كما أن ضعف الإقبال على شراء الجسر القديم أنقذه من مقصلة الخردة، ليُخصَّص اليوم للمشاة وراكبي الدراجات فقط.
وعلى جزيرة وسطية في ميزوري يوجد “حديقة نيون روت 66” في بلدة سانت روبرت، حيث تُعرض لافتات نيون “يتيمة” كانت تستوقف المسافرين لدعوتهم إلى التوقف عند مواقع أو منشآت بعينها على الطريق. وغالبا ما كانت تلك اللافتات تصنع يدويا، فلم تكن مجرد شواخص لموتيلات ومقاه ومحطات وقود، بل قطعا من فنون الفلكلور ورموزا للثقافة المحلية.
كانساس
لا تحتضن ولاية عباد الشمس سوى مقطع قصير من طريق “روت 66″، لكنه حافل بالمشاهد، وعلى رأسها محطة الخدمة “كان-أو-تكس” في بلدة غالينا. فهذه المحطة التي تجسد نمط الخدمات الكلاسيكية على جوانب الطرق السريعة شكّلت مصدر إلهام لفيلم الرسوم المتحركة “Cars” الذي أنتجته “بيكسار” عام 2006.
المخرج جون لاسيتر وفريقه قاموا بعدة رحلات برية على طول الطريق، ونبشوا في تاريخه بحثا عن عناصر تبث الحياة في مشروعهم. وفي غالينا تحديدا لمحوا شاحنة قديمة مزوّدة بذراع رفع، استُلهمت منها شخصية “تو مايتر”. ولم تكن الحبكة الدرامية بعيدة عن الواقع، إذ إن مدنا كثيرة كانت تضج بالحركة – تماما مثل بلدة “رادييتر سبرينغز” الخيالية – أوشكت على الاندثار بعد أن التفّت عليها شبكة الطرق السريعة الحديثة.
وتحتضن كانساس أيضا جسر “برَش كريك”، المعروف باسم “جسر قوس قزح”. وقد أُدرج الجسر على السجل الوطني للأماكن التاريخية، وهو واحد من النماذج القليلة المتبقية للجسور الإسمنتية المقوسة التي صمّمها المهندس جيمس بارني مارش.
أوكلاهوما
لم تخلُ الرحلة على الطريق من المخاطر، خصوصا بالنسبة للسائقين السود الذين كانوا يعبرون مناطق عدائية ومفصولة عرقيا خلال حقبة قوانين “جيم كرو”. وقد صدر دليل “ذا غرين بوك” عام 1936 بقلم فيكتور هوغو غرين، ليحصي الفنادق والمطاعم ومحطات الوقود التي ترحّب بالزبائن السود.
محطة “ثريت فيلينغ ستيشن” قرب بلدة لوثر لم تُذكر في دليل “ذا غرين بوك”، لكنها كانت ملاذا آمنا؛ مكانا للتزوّد بالوقود وتناول حفلات شواء اللحوم ولعب البيسبول. وقد أُدرجت على السجل الوطني للأماكن التاريخية، وتُعد محطة الوقود الوحيدة المعروفة على طريق “روت 66” التي كان يملكها ويديرها أميركيون من أصل إفريقي.
ورغم المباني المهجورة واللافتات الباهتة التي تنتشر على جانبي الطريق، فإن روح “روت 66” المتجددة تجسّدها محطة أخرى لا تزال صامدة في بلدة سابولبا قرب تولسا؛ إذ يوفر “تي بي درايف إن ثياتر” تجربة تعيد الزائر إلى خمسينيات القرن الماضي، حين أطلقت ثقافة السيارات المزدهرة آلاف دور العرض التي تتابَع فيها الأفلام من داخل السيارة على مستوى الولايات المتحدة.
بُنيت دار العرض هذه عام 1949، وافتُتحت رسميا في ربيع 1950 بعرض فيلم “Tycoon” من بطولة جون واين. وكانت من دور العرض القليلة آنذاك التي تتمتع بمسارات معبّدة للسيارات. وعلى مر السنين، نجت من إعصار، وحريق دمّر كشك المأكولات، وسلسلة من السرقات، قبل أن تغلق أبوابها لأكثر من 20 عاما، لتعود وتفتح من جديد في 2023.
تكساس
قد ترمش عينك فتفوّت المشهد، لكن التوقف عند موقع “كاديلاك رانش” في أماريلو يبقى محطة لا غنى عنها في أي رحلة على طريق “روت 66”. فعلى مدى عقود ظل الزوار يرشّون الطلاء على عشرة سيارات “كاديلاك” عتيقة نصفُ مدفونة في الأرض، ويتأملون في زوال الزمن تماما كما فعل المغني بروس سبرينغستين في أغنيته الصادرة عام 1980 التي حملت الاسم نفسه.
ولا علاقة للمكان بمزارع الماشية، بل هو عمل فني عام أنجزه عام 1974 فريق “أنت فارم” المؤلف من فنانين ومهندسي عمارة. في البداية كانت السيارات، المغروسة في الأرض من مقدمتها وبزاوية قدرها 60 درجة، تُستخدم كأهداف للتصويب، فيما كان آخرون يحفرون أحرف أسمائهم على هيكلها المعدني، قبل أن تصبح عادة رش الطلاء ظاهرة قائمة بذاتها.
وما إن تصل إلى بلدة أدريان حتى تكون قد قطعت نصف الرحلة؛ فخط أبيض على الإسفلت يشير إلى نقطة منتصف طريق “روت 66”. وعلى بعد خطوات منه يقع مقهى “ميدواي كافيه” حيث لا تمت بصلة إلى القبح فطائرُه التي تحمل اسم “أغلي بايز”.
وإن بقي لديك متّسع من الشهية، يمكنك العودة إلى أماريلو لتجربة شريحة لحم تزن كيلوغرامين مع جميع الأطباق الجانبية في مطعم “ذا بيغ تِكسان”. وإذا تمكنت من إنهاء الوجبة في غضون ساعة واحدة أو أقل، فلن تدفع ثمنها.
نيو مكسيكو
يزداد طريق “روت 66” رمزية في نيو مكسيكو، إذ يعبر أكثر من نصف مساره أراضي قبائل السكان الأصليين، وغالبا ما يتبع مسالك استخدمتها تلك القبائل قبل زمن طويل من وصول المستوطنين. وكما فعلت السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، فتح الطريق عصرا جديدا من التجارة، لكنه غذّى في الوقت نفسه صورا نمطية عن الثقافات القائمة على جانبيه.
وما تزال هناك إشارات باهتة ومتداعية إلى خيام “تيبي” التقليدية وريشات الرأس عند بعض المحطات على طول الطريق التاريخي؛ رموز يسهل توظيفها تسويقيا من جانب الباعة على الطرقات، لكنها لا تعكس حقيقة التنوع بين ثقافات السكان الأصليين في المنطقة.
اليوم باتت القبائل تروي قصصها بنفسها وتعرض إبداعاتها، سواء كانت قطعا من الفخّار أو فطائر الفاكهة أو قصائد شعرية.
وتضم مدينة ألبوكيركي أطول مقطع حضري متواصل من طريق “روت 66″، إذ تمتد مسافة 29 كيلومترا عبر أحياء ومناطق تجارية عدة، من “المدينة القديمة” التاريخية وصولا إلى حي “نوب هيل”.
وقد جرى ترميم بعض النُزل القديمة ولافتات النيون الممتدة على طول ما يُعرف اليوم بـ”سنترال أفينيو”، فيما تُعاد صياغة لافتات أخرى باستخدام أغطية العجلات، وطلاءات مستوحاة من سيارات “لو رايدر” المعدّلة، ولوحات المركبات الصفراء والحمراء الكلاسيكية في نيو مكسيكو، في تحية لثقافة السيارات التي لا تزال نابضة بالحياة في المدينة.
أريزونا
كان الموسيقي جاكسون براون يقوم برحلته الخاصة على الطريق مطلع سبعينيات القرن الماضي عندما تعطلت سيارته وتركته عالقا في بلدة وينسلو؛ تجربة ألهمت كلمات أغنية فريق “إيغلز” الشهيرة “Take It Easy”. لكنها ليست بالطبع الأغنية الوحيدة التي لا بد من إضافتها إلى قائمة تشغيل الأغاني على طريق “روت 66”.
فقد صنع بوبي ترووب في أربعينيات القرن الماضي واحدا من أشهر أناشيد الطرقات الأميركية بأغنيته “(Get Your Kicks on) Route 66″، لتتولى أسماء مثل نات كينغ كول وتشاك بيري و”ذا رولينغ ستونز” و”ديبيش مود” نقلها عبر العقود، كل منهم بطريقته الخاصة.
وأنت تقف على إحدى زوايا الشارع في وينسلو، لا تستغرب إن اقترب منك شخص يحمل غيتارا وبدأ يعزف مقطوعات من قائمة أغاني رحلته الخاصة.
وقبل مغادرة الولاية تستحق بلدة أوتمان، التي كانت يوما منجم ذهب مزدهرا، زيارة خاصة؛ إذ تقدّم أجواء مستوحاة من “الغرب المتوحش” مع عروض تمثيلية لإطلاق النار يوميا وحمير برية أليفة تجوب الشوارع. كانت أوتمان محطة على أحد المسارات الأصلية لطريق “روت 66” عبر طريق وعرة في جبال “بلاك ماونتنز”، لكنها استُبعدت من المسار مع أعمال التحسين التي أُجريت في خمسينيات القرن الماضي.
كاليفورنيا
في قلب الصحراء تقع “رويز موتيل آند كافيه” في بلدة أمبوي، وهي من العلامات الفارقة على طريق “روت 66”. فلوحة النيون الشاهقة للمكان تعد من أكثر المواقع التي تُلتقط لها الصور على طول الطريق، وفي الداخل تغطي جدرانه أوراق العملات الأجنبية التي يتركها الزوار من مختلف دول العالم، بينما ينتصب على الجهة المقابلة من الشارع عمود علّقت عليه أحذية وملابس وغيرها من القطع التي تتدلى فوق رمال الصحراء.
يوفّر هذا المقطع من الطريق عبر صحراء موهافي نوعا خاصا من العزلة؛ فالمعبد الإسفلتي يتعرّض للتشقق في بعض المواضع تاركا المجال للطبيعة كي تتصدر المشهد، من أشجار الجوشوا إلى الفضاءات المفتوحة على مدّ البصر وآثار الأنشطة البركانية القديمة.
وبقاء معظم المنطقة على حالها من دون تطوير يعني أنها تبدو اليوم كما كانت تقريبا عند افتتاح طريق “روت 66” عام 1926.
وبعد اجتياز شوارع لوس أنجلِس المزدحمة في كثير من الأحيان، يعلن رصيف سانتا مونيكا الشهير نهاية الرحلة، في مشهد أقرب إلى حفلة دائمة يؤمّها المتفرجون والعازفون على حد سواء.
وعلى الرغم من أن مقاطع كثيرة من “روت 66” تركت لمصير التدهور، فإن الإطلالات الأخّاذة على مياه المحيط الهادئ تبقى تذكيرا بالسعي الذي جعلته هذه الطريق ممكنا على مدى القرن الماضي.
أبرز محطات طريق “روت 66”
- شيكاغو، إلينوي: نقطة بداية طريق “روت 66″؛ رؤية سايرس أيفري
- سبرينغفيلد، إلينوي: موطن مطعم “كوزي دوغ درايف إن” الشهير
- سانت لويس، ميزوري: جسر “تشاين أوف روكس” فوق نهر المسيسيبي
- سانت روبرت، ميزوري: “حديقة نيون روت 66” التي تعرض لافتات قديمة مرمَّمة
- غالينا، كانساس: محطة خدمة “كان-أو-تكس”؛ مصدر إلهام لفيلم “Cars” من “بيكسار”
- برَش كريك، كانساس: جسر “قوس قزح” التاريخي المدرج على السجل الوطني
- لوثر، أوكلاهوما: محطة “ثريت فيلينغ ستيشن”؛ محطة تاريخية مملوكة لسود
- سابولبا، أوكلاهوما: دار عرض “تي بي درايف إن” التي تعيد أجواء خمسينيات القرن الماضي
- أماريلو، تكساس: موقع العمل الفني العام “كاديلاك رانش”
- أدريان، تكساس: نقطة منتصف طريق “روت 66″؛ موطن مقهى “ميدواي كافيه”
- ألبوكيركي، نيو مكسيكو: أطول مقطع حضري متواصل من الطريق
- وينسلو، أريزونا: محطة موسيقية بفضل ارتباطها بأغنية “Take It Easy” لفريق “إيغلز”
- أوتمان، أريزونا: بلدة بطابع “الغرب المتوحش” على أحد المسارات الأصلية للطريق
- أمبوي، كاليفورنيا: “رويز موتيل آند كافيه”؛ من المعالم الكلاسيكية على جانب الطريق
- صحراء موهافي، كاليفورنيا: مقطع طبيعي خلاب وغير مطوَّر من الطريق
- سانتا مونيكا، كاليفورنيا: نقطة النهاية عند رصيف سانتا مونيكا وساحل المحيط الهادئ

