نشرت في
منذ عدة أيام، تشتعل المعارك البرية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله على تخوم مدينة بنت جبيل وداخل بعض ساحاتها، وسط تعزيزات عسكرية إسرائيلية متزايدة، أبرزها فرقة المدرعات 162، في مؤشر واضح على سعي تل أبيب لتحقيق حسم ميداني قبيل انطلاق المفاوضات المباشرة مع الحكومة اللبنانية غدًا في واشنطن.
اعلان
اعلان
وفي بيان صادر اليوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي إنه “بمجرد استكمال عمليته ضد حزب الله في بلدة بنت جبيل خلال الأيام المقبلة، فلن يتبقى أي قتال كبير يخوضه في المنطقة”، مضيفًا أنه “لا تزال هناك عدة مناطق سيواصل فيها عمليات تمشيط وجمع الأسلحة”، مشيرًا إلى أن هذه العمليات قد تستمر لفترة طويلة وربما غير محددة.
وزعم الجيش أنه تمكن من التوغل إلى قلب البلدة، وأن الفرقة 98 “باغتت” عشرات المقاتلين من حزب الله وحاصرتهم من جميع الجهات، مؤكدًا أن عدة ألوية، بينها غولاني والمظليين ووحدات كوماندوس مثل “ماغلان”، تشارك في عملية احتلالها.
ومع ذلك، أقر الجيش الإسرائيلي أنه رغم التوغل الواسع في جنوب لبنان خلال خريف 2024، فإنه لم ينجح في “تطهير بنت جبيل بالكامل من الأسلحة”، معتبرًا أن العملية الحالية تمثل “تصحيحًا لذلك الإخفاق” بحسب تعبيره.
رمزية بنت جبيل وخطاب العنكبوت الشهير
لا يمكن مقاربة التصعيد الإسرائيلي الحالي في بنت جبيل كما يُقرأ في أي بلدة حدودية أخرى. فالمدينة، المطلة على عدة قرى جنوبية، لم تعد مجرد موقع استراتيجي بتضاريسها المرتفعة، بل تحولت على مر السنين إلى أشبه بـ”عقدة” في وجدان الصراع اللبناني-الإسرائيلي وعلى مدى أكثر من عقدين.
ففي 25 أيار 2000، انسحب الجيش الإسرائيلي تحت ضغوطات الفصائل المسلحة، وأبرزها حزب الله، دون قيد أو شرط من جنوب لبنان منهيًا احتلالًا دام 22 عامًا، وتفكك معه ما كان يُعرف بـ”الحزام الأمني” الذي استمر 15 سنة.
وبعد يوم واحد فقط، وقف الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله في إحدى ساحات بنت جبيل ليُلقي خطابه الشهير الذي قال فيه: “إن إسرائيل هذه أوهن من بيت العنكبوت”.
هذا التوقيت – بعد الانسحاب مباشرة – منح الخطاب زخمًا استثنائيًا، إذ قدّم نصر الله الانسحاب الإسرائيلي ليس كقرار استراتيجي، بل كدليل على “هشاشة إسرائيل” محاولًا “كسر” الصورة التي تقدمها عن نفسها وهي أنها ” تمتلك جيشًا لا يُقهر”، وهو ما أثار ردود فعل كبيرة على المستوى السياسي والشعبي الإسرائيلي.
ومنذ ذلك الحين، باتت بنت جبيل تمثل لحزب الله نقطة ارتكاز استراتيجية ورمزية، إذ تُنظر إليها كجزء من “معادلة الردع” في الجنوب، وموقع يعكس حضور الحزب وقدرته على فرض قواعد اشتباك جديدة.
في المقابل، رأت إسرائيل في هذا الخطاب تحديًا وجوديًا، ودفعها إلى اعتبار استعادة السيطرة على المدينة ضرورة عسكرية ونفسية في آن.
لذلك، فإن احتلال المدينة الآن، في حال تحقق، سيشكل نصرًا رمزيًا لحكومة بنيامين نتنياهو، ليس فقط على المستوى العسكري، بل كرد اعتباري على الخطاب الذي “هزّ الصورة الذهنية الإسرائيلية لعقدين” وفق مراقبين.
وقد جاءت تصريحات قائد الفرقة 98، العميد غاي ليفي، يوم الإثنين، لتعكس هذا السعي، حيث قال متحدثًا عن المدينة الإثنين: “بنت جبيل، العام 2000… من كان يتحدث هنا يومًا عن العنكبوت وشبكته لم يعد موجودًا، والميدان لم يعد موجودًا، وكلامه لا قيمة له اليوم”.
وأضاف ليفي: “بنت جبيل، العام 2026، قواتنا تسيطر على المنطقة وتدمر البنى التحتية الإرهابية وتقتل عشرات المسلحين، وخلفنا سكان الشمال الذين نحميهم، وأمامنا أيام وطنية تذكرنا لماذا نقاتل.”
كما نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، منشورًا على “إكس” يتضمن صورة نصر الله، قال فيه: ” السيطرة على ملعب بنت جبيل ليست مجرد إنجاز عسكري، بل هي تحطيم لرمزية الغرور. من هددنا بالوهن، تهاوت قلاعه أمام صمودنا” وفق تعبيره.
عمليات حزب الله وتباين الروايتين
مع ذلك، لا يزال مدى التوغل الإسرائيلي الفعلي في بنت جبيل غير محدد بدقة، وذلك لتباين السرديات بين الطرفين، وغياب تغطية مستقلة تقدم رواية ثالثة.
فوفقًا لحزب الله، تركزت عملياته العسكرية يوم السبت 11 نيسان/أبريل 2026 على محيط المدينة، حيث دارت اشتباكات مع القوات الإسرائيلية المتقدمة، واستُهدفت مواقع للجيش الإسرائيلي في المنطقة، بينها مستشفى صلاح غندور ومدرسة الإشراق.
وأكد البيان أن عمليات محور بنت جبيل تزامنت مع هجمات على محاور أخرى في الجنوب، إضافة إلى ضربات داخل الجولان السوري وبلدات الشمال.
أمّا بحسب ما تداوله بعض الصحفيين اللبنانيين، فإن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن حتى السبت من عزل بنت جبيل عن القرى المحيطة، لكنه يسعى إلى فرض حصار عليها من جهاتها الأربع، دون أن يصل إلى قلب المدينة، وهو ما يخالف الرواية الإسرائيلية التي زعمت التوغل إلى وسطها.

