يُعدّ غابرييل مالكي من الأسماء التي اختارت أن تبني حضورها الفني بهدوء وثبات، بعيدًا عن الضجيج، معتمدًا على الموهبة والدراسة الأكاديمية والتراكم التدريجي في التجارب والكاريزما والأناقة، ما جعله يرسّخ مكانته كأحد وجوه الجيل الجديد في الدراما السورية.
النشأة والبدايات الأولى
وُلد غابرييل مالكي في 17 نوفمبر – تشرين الثاني عام 1989 في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا، وهي مدينة عُرفت بتنوعها الثقافي والإنساني، ما أتاح له منذ الصغر التعرّف على بيئات وأفكار متعددة انعكست لاحقًا على حسّه الفني.
لم يكن دخوله إلى عالم الفن صدفة، بل جاء نتيجة شغف مبكر بالتمثيل، حيث بدأ اهتمامه يتبلور في سنوات الدراسة، قبل أن يقرر احتراف هذا المجال بشكل جدي من خلال الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، أحد أهم المؤسسات الفنية في العالم العربي، ليتخرج منه عام 2013 بعد سنوات من التدريب المكثف والدراسة النظرية والعملية.
المسرح… المدرسة الأولى والتأسيس الحقيقي
شكّل المسرح نقطة الانطلاق الأساسية في مسيرة مالكي، حيث بدأ العمل على خشبته عام 2010، أي قبل تخرجه من المعهد، وهو ما منحه فرصة مبكرة للاحتكاك بالجمهور واختبار أدواته التمثيلية بشكل مباشر.
شارك في عدد من العروض المسرحية المهمة، من بينها “يد على يد نص ايراني” ، و”مس جوليا”، و”الكوميديا السوداء”، وصولًا إلى “البيت يفوز دائمًا” عام 2020.
وقد أسهمت هذه التجارب في صقل أدائه ومنحه مرونة في التعامل مع الشخصيات المختلفة، إذ يُعد المسرح بيئة قاسية تتطلب حضورًا قويًا وقدرة على التحكم بالصوت والجسد، وهو ما انعكس لاحقًا على أدائه أمام الكاميرا.
الانطلاقة في الدراما التلفزيونية
دخل غابرييل مالكي عالم التلفزيون عام 2011 من خلال مشاركته في مسلسل “شيفون”، الذي شكّل بوابته الأولى نحو الجمهور الأوسع.
توالت بعد ذلك مشاركاته في أعمال درامية بارزة، حيث شارك في “قلم حمرة” عام 2014، وهو من الأعمال التي حظيت بإشادة نقدية، ثم في مسلسل “العراب” بجزأيه (2015 و2016)، حيث بدأ يرسّخ حضوره بين نجوم الدراما السورية.
لكن الانعطافة الأبرز في مسيرته جاءت مع مشاركته في سلسلة “عطر الشام” بأجزائها المتعددة بين 2016 و2019، حيث استطاع من خلالها الوصول إلى شريحة أوسع من الجمهور العربي، بفضل انتشار العمل ونجاحه الجماهيري.
كما شارك في أعمال أخرى متنوعة مثل “الغريب” (2017)، و”ناس من ورق” (2019)، و”خريف العشاق” (2021)، إضافة إلى ظهوره في “باب الحارة 11”، أحد أشهر المسلسلات الشامية، ما ساهم في تثبيت اسمه ضمن قائمة الممثلين الشباب الذين يعتمد عليهم في الأعمال الجماهيرية، بالإضافة الى عدة أعمال آخرها مسلسل “مولانا” الذي عرض في موسم رمضان 2026
تجارب سينمائية تثري المسيرة
إلى جانب التلفزيون، خاض مالكي تجربة السينما، التي تُعد اختبارًا مختلفًا لأي ممثل، حيث تتطلب أداءً أكثر هدوءًا وتركيزًا على التفاصيل.
شارك في فيلم “بانتظار الخريف” عام 2015، ثم في فيلم “البحث عن جوليت” عام 2020، وهما تجربتان أتاحتا له استكشاف أبعاد جديدة في التمثيل، والعمل ضمن بيئة إنتاجية مختلفة عن الدراما التلفزيونية.
“جواد” في مسلسل “مولانا”
في مسلسل “مولانا”، قدّم غابرييل مالكي شخصية “جواد”، وهي شخصية تدور ضمن خط درامي مرتبط بعالم العمل وتفاصيله الاجتماعية، حيث يظهر كشخص قريب من دوائر التأثير في الأحداث، ويتفاعل بشكل مباشر مع الشخصيات الرئيسية، تيم حسن، ونانسي خوري و غيرهم .
لم يكن جواد شخصية عابرة، بل لعب دورًا في تحريك بعض مفاصل القصة، من خلال مواقفه وعلاقاته التي تتقاطع مع مسار البطل، ما وضعه في مواقف تطلبت قرارات حاسمة وتفاعلًا مستمرًا مع تطورات الأحداث.
أسلوبه الفني وملامح حضوره
يتميّز مالكي بأسلوب تمثيلي يعتمد على البساطة والصدق، وهو أسلوب نابع من خلفيته المسرحية التي تمنحه قدرة على فهم الشخصية من الداخل، بعيدًا عن المبالغة أو التصنّع.
كما يُعرف بقدرته على التنقل بين أنماط درامية مختلفة، من الأعمال الاجتماعية إلى الشامية، وصولًا إلى التجارب ذات الطابع النفسي والإنساني، ما يجعله ممثلًا مرنًا قادرًا على التأقلم مع متطلبات الأدوار المتنوعة.
تشبيه بباسل خياط… مقارنة الحضور والأسلوب
يُقارن بعض المتابعين بين غابرييل مالكي والممثل السوري باسل خياط، ليس من باب التشابه الشكلي فقط، بل من حيث الحضور الهادئ والأداء القائم على التفاصيل الدقيقة. فكلاهما ينتمي إلى مدرسة تمثيلية تعتمد على التعبير الداخلي والقدرة على إيصال الانفعالات بأقل قدر من المبالغة، ما يمنح الشخصيات عمقًا وواقعية.
ورغم هذا التشبيه، يحرص مالكي على تقديم بصمته الخاصة، حيث يسعى إلى بناء مسار مستقل يميّزه عن أي مقارنة، مستندًا إلى تجاربه المتنوعة بين المسرح والتلفزيون والسينما، ليؤكد أن التشابه قد يكون نقطة انطلاق، لكن الاستمرارية تُبنى على الاختلاف.

