لم يعد القطاع الصناعي في دولة الإمارات مجرد رهان مستقبلي يُتداول في الخطط الاستراتيجية، بل بات حقيقة اقتصادية ملموسة تتجلّى في أرقام لافتة وشركات وطنية باتت تُنافس على الخريطة الدولية.
هذا ما أكده بوركو هاندجيسكي، الشريك في قطاع الحكومة والمؤسسات العامة بمجموعة أوليفر وايمان، في حديثه على قناة سكاي نيوز عربية خلال فعاليات “اصنع في الإمارات 2026″، مقدّماً قراءة تحليلية معمّقة لمسيرة التحول الصناعي الإماراتي وما آلت إليه من مُنجزات قابلة للقياس.
الصناعة محرّك للنمو وحصن للاقتصاد
نجاحات مُركّبة: حصيلة تشاركية بين الدولة والقطاع الخاص
فتح هاندجيسكي حديثه بإشارة جوهرية إلى طبيعة المُحرّك الحقيقي لهذا النمو، مؤكداً أن ما يشهده القطاع الصناعي الإماراتي اليوم ما هو إلا انعكاس مباشر لـ”الجهود الملتصقة للحكومة والقطاع الخاص خلال السنوات القليلة الماضية”. وهو توصيف يحمل في طيّاته إقراراً بأن هذه النتائج لم تكن وليدة صدفة أو ظرف استثنائي، بل ثمرة تراكم مقصود وعمل منهجي مشترك.
ويقف خلف هذا التوصيف رقم بالغ الدلالة؛ إذ يُنتج القطاع الصناعي الإماراتي اليوم ما يتجاوز 200 مليار درهم، بعد أن تخطّت الإنجازات التوقعات المرسومة سلفاً، في مشهد وصفه المحلل بأنه يكشف حجم التحوّل الفعلي الذي شهده هذا القطاع.
الأبطال الوطنيون يخطون نحو العالمية
لا يقتصر المشهد على الأرقام الكلية؛ فثمة نماذج مؤسسية بعينها تختصر قصة هذا التحول. يستشهد هاندجيسكي بمجموعة “إيدج” التي تأسّست عام 2019، لتُحقق في غضون سنوات قليلة قفزة نوعية، إذ بات ما بين 40 بالمئة و50 بالمئة من إيراداتها مصدره الأسواق الدولية، وهو مؤشر على تحوّل هيكلي عميق في طبيعة هذه الكيانات من شركات موجّهة للداخل إلى لاعبين عالميين فاعلين.
وفي السياق ذاته، ضرب المحلل مثلاً بشركة “بروج“ التي أثبتت حضورها بوصفها لاعباً عالمياً بامتياز في قطاع البتروكيماويات، فيما شهد قطاع الطيران بدوره صعود شركة “ستراتا“ لتتموضع ضمن سلاسل التوريد في هذه الصناعة الرائدة، وهو ما يعكس تنوعاً في قطاعات التصنيع الإماراتي لا يقتصر على المجالات التقليدية.
التوطين الصناعي: من الشعار إلى الميزانية
يُقدّم هاندجيسكي مؤشراً كمياً فارقاً لقياس عمق التوطين الصناعي، إذ يُشير إلى أن المُصنّعين المحليين باتوا يُوفّرون ما يزيد على 60 مليار درهم إضافية ضمن منظومة التزويد والتجهيز، وذلك في سياق إجمالي يرتبط بإعلان عمليات إنتاج بلغت 300 مليار درهم.
وفي قطاع الطاقة تحديداً، لفت المحلل إلى تحوّل نوعي في سلاسل التوريد والقيمة في قطاعَي النفط والغاز، حيث باتت المنتجات ذات القيمة العالية تُصنَع محلياً بصورة متزايدة، في مؤشر واضح على اتجاه استراتيجي نحو التصنيع المتقدم.
الذكاء الاصطناعي: الأداة الجديدة لتعزيز التنافسية
لا يُفصل هاندجيسكي مسار التصنيع عن التحول الرقمي، بل يضعهما في تكامل عضوي واضح. ففي حديثه عن أكبر لاعبَين صناعيَّين وطنيَّين، أشار إلى توظيفهما المكثّف للذكاء الاصطناعي والأتمتة وأدوات الابتكار الأخرى، بهدف رفع الكفاءة التشغيلية وزيادة الطاقة الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يُبرز المحلل أن إمارة أبوظبي تتجه نحو إرساء قطاع ساب المعني بالمركبات الذاتية القيادة، بما يُشكّل بيئة جاذبة للشركات المتخصصة في التصنيع عالي الجودة في هذا المجال.
وفي معرض إشارته إلى القطاعات الواعدة، توقّف هاندجيسكي عند ثلاثة محاور يراها ركائز النمو المستقبلي: المركبات الذاتية، والمواد المتقدمة، والزراعة المتقدمة، مستنداً إلى منظومة متكاملة من الدعم تشمل السياسات الحكومية الاتحادية، واستراتيجيات الأبطال السياديين والوطنيين، فضلاً عن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي وصفها بأنها ستكون “أساساً للاقتصاد برمّته بما في ذلك القطاعات الصناعية”.
وفي الختام، نقل هاندجيسكي ما أدلى به الوزير في صباح ذلك اليوم من إشارة استشرافية بالغة الأهمية، مفادها أن الإمارات ستضخ في المستقبل استثمارات في الذكاء الاصطناعي تفوق ما أنفقته تاريخياً على النفط والغاز، وهو ما يرسم ملامح اقتصاد وطني يُعيد كتابة أولوياته الاستراتيجية بثقة وجرأة.
الصناعة محرّك للنمو وحصن للاقتصاد الإماراتي

