قبل أشهر قليلة فقط، بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان معركة واحدة وبأهداف مشتركة ضد إيران. فقد قدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضربات العسكرية التي استهدفت الجمهورية الإسلامية في 28 شباط/فبراير بوصفها نقطة تحول تاريخية، فيما أكد نتنياهو حينها أن مستوى التنسيق بين واشنطن وتل أبيب لم يسبق له مثيل.
اعلان
اعلان
لكن تقريرا نشرته شبكة “سي إن إن” يرسم اليوم صورة مختلفة تماما. فبينما تتحرك إدارة ترامب لإبرام تفاهم مع طهران يضع حدا للحرب، يجد نتنياهو نفسه على هامش عملية صنع القرار، عاجزا عن التأثير في مسار المفاوضات أو فرض أولوياته الأمنية.
ومع تزايد المؤشرات إلى اقتراب اتفاق أميركي إيراني، تتصاعد داخل إسرائيل المخاوف من أن ينتهي الصراع بتسوية لا تعالج الملفات التي تعتبرها تل أبيب جوهرية، بل تمنح طهران متنفسا اقتصاديا وسياسيا. وفي الوقت نفسه، يواجه نتنياهو معضلة أكبر تتجاوز نتائج المفاوضات نفسها، إذ قد يضطر إلى القبول بمسار يناقض الأسس التي بنى عليها مسيرته السياسية، فكيف يهدد اتفاق أمريكا مع إيران إرث نتنياهو السياسي؟
نتنياهو خارج دائرة القرار
رغم امتناعه عن توجيه انتقادات علنية للرئيس الأميركي، فإن مسؤولين ومصادر إسرائيلية تحدثت إلى “سي إن إن” تؤكد أن نتنياهو أقر في اجتماعات مغلقة بأن قدرة إسرائيل على التأثير في نتائج المحادثات الأميركية الإيرانية باتت محدودة.
ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار الأولي في نيسان/أبريل، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي إقناع ترامب بالعودة إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، معتبرا أن استمرار الضغط قد يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. غير أن الإدارة الأميركية اختارت السير في اتجاه مختلف يقوم على المفاوضات والتسوية.
مخاوف إسرائيلية من اتفاق “ناقص”
داخل المؤسسة الإسرائيلية يتزايد القلق من أن ينتهي الاتفاق المرتقب من دون معالجة القضايا التي تعتبرها تل أبيب تهديدا مباشرا لها، وفي مقدمتها مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران.
وقال مسؤول إسرائيلي لشبكة “سي إن إن” إن المخاوف تتركز على احتمال قبول ترامب باتفاق مرحلي لا يتجاوز كونه مجموعة تعهدات سياسية غير ملزمة، محذرا من أن الإيرانيين قد ينجحون في الحفاظ على مخزون اليورانيوم رغم أي تفاهمات معلنة.
وتؤكد إيران باستمرار أن ملف اليورانيوم عالي التخصيب غير مطروح ضمن الاتفاق المرحلي الجاري التفاوض بشأنه. ورغم أن ترامب شدد سابقا على ضرورة إخراج هذه المواد من إيران ونقلها إلى الولايات المتحدة، فإنه أبدى خلال الآونة الأخيرة مرونة أكبر حيال هذه المسألة.
ويخشى مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن يبقى هذا المخزون عاملا يتيح لطهران إمكانية تطوير سلاح نووي مستقبلا.
النفط والعقوبات.. نقطة الصدام الكبرى
بحسب مسؤولين إسرائيليين تحدثوا إلى “سي إن إن” ، لم يكن نتنياهو يدفع فقط نحو استمرار العمليات العسكرية، بل كان يؤيد أيضا استهداف منشآت النفط الإيرانية باعتبارها وسيلة لتسريع إضعاف النظام.
ويعتقد مقربون منه أن أي تخفيف للحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وخصوصا إذا جاء في إطار اتفاق سياسي، سيمنح طهران موارد مالية كبيرة تساعدها على تجاوز أزمتها الاقتصادية واستعادة قدرتها على تمويل مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.
وذهب أحد المصادر الإسرائيلية إلى حد وصف الشعور السائد داخل بعض الأوساط السياسية في إسرائيل بالقول لـ”سي إن إن” : “هكذا نشعر عندما يتخلى عنا ترامب”.
لبنان يدخل على خط الخلاف
لا تقتصر الخلافات بين واشنطن وتل أبيب على الملف الإيراني المباشر، بل تمتد أيضا إلى الساحة اللبنانية.
فوفق تقارير متعددة، تسعى طهران إلى إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن التفاهمات المطروحة. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن الولايات المتحدة فرضت قيودا على عملياتها العسكرية، في وقت يواصل فيه حزب الله تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة ضد القوات الإسرائيلية وبلدات الشمال.
وخلال الأيام الماضية، أصدر نتنياهو تعليماته للجيش الإسرائيلي بتوسيع النشاط العسكري في لبنان، مؤكدا أن إسرائيل ستواصل التحرك ضد أي تهديد ولن تتخلى عن حرية العمل العسكري هناك.
ضغوط داخلية
الموقف الأميركي يضع نتنياهو تحت ضغوط سياسية متزايدة في الداخل الإسرائيلي، سواء من جانب المعارضة أو من داخل الائتلاف الحاكم نفسه.
وقد طالب الوزيران إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهما من أبرز حلفائه في اليمين المتشدد، برد عسكري أكثر قوة. كما دعا بن غفير رئيس الوزراء إلى مواجهة ترامب مباشرة وإبلاغه بأن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار في تحمل الوضع القائم.
لماذا لا يهاجم نتنياهو ترامب؟
يثير الهدوء النسبي الذي يبديه نتنياهو تجاه الاتفاق المحتمل تساؤلات واسعة داخل إسرائيل، خاصة أن الرجل قاد قبل أكثر من عقد حملة سياسية وإعلامية شرسة ضد الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2015.
وقد بلغت تلك المواجهة ذروتها عندما ألقى نتنياهو خطابا أمام الكونغرس الأميركي وصف فيه الاتفاق بأنه خطأ تاريخي.
لكن الظروف الحالية مختلفة تماما، فنتنياهو استثمر جزءا كبيرا من رصيده السياسي في علاقته الوثيقة مع ترامب، ما يجعل الدخول في مواجهة علنية معه خطوة محفوفة بالمخاطر، خصوصا مع اقتراب الانتخابات.
تحميل المسؤولية لفريق ترامب
بدلا من توجيه الانتقادات إلى الرئيس الأميركي نفسه، تشير مصادر إسرائيلية تحدثت إلى “سي إن إن” إلى أن نتنياهو يحمّل مسؤولية التوجه نحو التسوية لمقربين من ترامب، وعلى رأسهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.
كما شنت وسائل إعلام مقربة من رئيس الوزراء هجمات متكررة على فريق التفاوض الأميركي، في محاولة لإبعاد ترامب عن دائرة الانتقاد المباشر.
وفي هذا السياق، اعتبر المذيع الإسرائيلي يعقوب بردوغو المقرب من نتنياهو أن كوشنر وويتكوف ونائب الرئيس جي دي فانس يفضلون المصالح الاقتصادية والصفقات التجارية على الاعتبارات الأمنية والوجودية التي تراها إسرائيل أولوية.
تغيير في واشنطن لا في طهران
لكن شخصا مطلعا على المحادثات الأميركية الإسرائيلية قال لـ”سي إن إن” إن المشكلة أعمق من مجرد خلافات حول تفاصيل الاتفاق.
فبحسب هذا المصدر، انشغل الإسرائيليون طويلا بفكرة إسقاط النظام الإيراني إلى درجة أنهم لم ينتبهوا إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تغيير الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
وأضاف المصدر أن ترامب بات مقتنعا بأن الاتهامات التي تصور إسرائيل وكأنها تدفع الولايات المتحدة نحو حرب واسعة في الشرق الأوسط وسردية “بيبي يُحرك كلبه”، في إشارة الى نتنياهو، بدأت تضر بموقعه السياسي، ولذلك سعى إلى إعادة تأكيد أنه صاحب القرار النهائي.
واعتبر المصدر أن ترامب أراد إثبات أنه من يقود السياسة الأميركية وليس نتنياهو، وهو ما بدا واضحا أيضا عندما صرح الأسبوع الماضي قائلا: “بيبي رجل طيب، سيفعل ما أقوله له”.
نمط متكرر في غزة وإيران ولبنان
وترى مصادر مختلفة أن ما يحدث اليوم ليس استثناء، ففي أكثر من ساحة، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، كان ترامب هو الطرف الذي وضع حدا للتصعيد العسكري، بينما وجد نتنياهو نفسه مضطرا للقبول بقرارات لم يكن يرغب فيها، رغم ميله إلى مواصلة العمليات العسكرية لفترة أطول.
“نتنياهو لا يعرف متى يتوقف”
يصف أشخاص عملوا عن قرب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي على مدار سنوات ما يرونه نمطا ثابتا لديه، إذ قال أحدهم: “نتنياهو لا يعرف متى يتوقف ويقبل بخسائره”.
ويتهمه المنتقدون بالإخفاق في ترجمة النجاحات العسكرية التكتيكية والعملياتية إلى مكاسب استراتيجية.
وقال مسؤول أمني إسرائيلي سابق لشبكة “سي إن إن” أن: “لدى نتنياهو ضعف استراتيجي واحد بالغ الأثر انعدام الإرادة أو القدرة على اتخاذ قرارات صعبة تكمل المسار العسكري. ولهذا لم يتحسن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل، بل ساء؛ فنظام إيران لا يزال قائما، وملفها النووي معلق دون حل، ووكلاؤها الإقليميون بما فيهم حزب الله وحماس لا يزالون نشطين”.
تأثير محتمل على الانتخابات
وبحسب التقرير، تشكل الحرب مع إيران ركنا أساسيا في محاولة نتنياهو إعادة بناء صورته السياسية بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس ضد إسرائيل.
وكان رئيس الوزراء يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره مهندس شرق أوسط جديد وأكثر أمنا.
لكن نتائج استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل تشير إلى تحديات متزايدة أمام هذا الخطاب.
فقد رأى 45% من الإسرائيليين أن وضع إسرائيل تجاه إيران أصبح أسوأ مما كان عليه قبل هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بينما اعتبر 31% فقط أن الوضع تحسن.
كما أظهر الاستطلاع أن ما يقارب نصف المشاركين يعتقدون أن إسرائيل لن تنتصر أو أنها خسرت الحرب بالفعل ضد إيران، في حين لا يزال 41% فقط متفائلين بالنصر.
تعويضات سياسية من ترامب؟
رغم التوتر القائم، يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن ترامب قد يحاول تعويض نتنياهو سياسيا عبر دفع مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية ودول خليجية أخرى إلى الأمام وتوسيع اتفاقيات إبراهيم.
إلا أن هؤلاء يشككون في فرص تحقيق اختراق حقيقي، نظرا لتمسك السعودية بضرورة وجود مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية، إضافة إلى القيود التي يفرضها الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل.
كما تتحدث مصادر عن احتمال حصول نتنياهو على دعم سياسي إضافي من ترامب خلال الفترة المقبلة، سواء عبر زيارة رئاسية أو تصريحات داعمة أو حتى ترتيبات دفاعية جديدة تؤكد متانة العلاقة بين البلدين.
هل ينهار مشروع “مستر إيران”؟
لكن التحدي الأكبر بالنسبة لنتنياهو قد لا يكون انتخابيا فقط، بل يتعلق بالصورة التي رسمها لنفسه طوال عقود.
فالرجل قدم نفسه دائما بوصفه السياسي الإسرائيلي الأكثر تشددا في مواجهة إيران، والقائد الذي يؤمن بأن الضغط المستمر والقوة العسكرية والتنسيق الوثيق مع واشنطن هي الوسائل الوحيدة لمنعها من امتلاك قدرات نووية.
ويرى داني سيترينوفيتش، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل، أن نتنياهو قد يعتبر هذه اللحظة واحدة من أكبر الهزائم الشخصية والسياسية في حياته العامة.
وكتب على منصة “إكس” أن نتنياهو بنى هويته السياسية على لقب “مستر إيران” – القائد الذي أصر على أن القوة وحدها هي ما يوقف هذا النظام.
لكن بعد سنوات من المواجهة، وسلسلة من النجاحات العسكرية التي لم تتحول إلى نتائج استراتيجية حاسمة، قد يجد نتنياهو نفسه مضطرا للقبول باتفاق لا يكتفي بإبقاء النظام الإيراني قائما، بل ينسف أيضا العقيدة السياسية التي دافع عنها طوال مسيرته.

