بقلم: محمد نشبت مع يورونيوز
نشرت في
يحمل عبد الله المدهون ثلاثة هواتف معطلة إلى محل للصيانة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. لا يريد إصلاحها جميعًا. ما يبحث عنه شاشة سليمة في واحد، أو سماعة في آخر، أو أي قطعة يمكن نقلها إلى الهاتف المحمول الذي يحتاجه.
اعلان
اعلان
يقول المدهون، وهو نازح إلى النصيرات: “قاعدين نجبص من جوّال لجوّال، نأخذ سماعة، شاشة، أي شيء. شو نعمل؟”.
أحد أجهزته يحتاج شاشة جديدة. السعر الذي طُلب منه لتركيبها نحو 1200 شيكل (406,08 دولار)، من دون ضمان كافٍ يجعله يجازف بهذا المبلغ. شراء هاتف بديل ليس خيارًا أفضل: “الجوال هذا أخذته أنا بـ400 شيكل (أكثر من 135 دولار)، اليوم بدهم فيه 2000 (أكثر من 676 دولار). والكشاف اللي كنت آخذه بـ50 (نحو17 دولار) أو 70 ( قرابة 24 دولار)، اليوم آخذه بـ400 شيكل (أكثر من 135 دولار). طيب من وين الواحد يجيب؟”.
قبل الحرب كان يمكنه إصلاح الهاتف أو استبداله بكلفة معقولة. اليوم، مع غياب العمل وارتفاع الأسعار، يتمسك بما تبقى من أجهزته القديمة، في الوقت الذي تزداد فيه حاجته إلى الهاتف نفسه.
ومع النقص الحاد في السيولة النقدية داخل قطاع غزة، توسعت المعاملات الإلكترونية واستخدام المحافظ الرقمية. وفي فبراير/شباط 2026، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن المدفوعات الرقمية أصبحت الوسيلة الغالبة لتحويل المساعدات النقدية، مع زيادة عدد التجار الذين يقبلون الدفع بالمحافظ الإلكترونية.
“بدك تشتري خضرة، على الجوال. بدك تبعت لحدا مصاري، على الجوال. كله صار على الجوّال”، يقول المدهون.
من ثلاثة هواتف.. واحد
في محل عادل الكتري لصيانة وبيع الهواتف في النصيرات، أصبحت الأجهزة القديمة جزءًا من مخزون الصيانة. يضع أمامه الهواتف الثلاثة التي أحضرها الزبون، ويبدأ بمحاولة معرفة ما يمكن إنقاذه منها. شاشة هنا، قطعة هناك. الهدف أن يخرج الزبون بهاتف واحد يعمل.
“بدنا نحاول نستصلح له أي حاجة، نركب الشاشة من هذا على هذا أو نجرّب الجهاز ونشوف. هاي اللي نقدر عليه”.
يقول الكتري إن واجهات محله قبل الحرب كانت ممتلئة بالهواتف الجديدة والمستعملة. أما الآن، فالمشكلة ليست فقط في سعر الجهاز، بل في العثور عليه أصلًا، ثم العثور على القطع اللازمة إذا تعطّل: “فش أجهزة تدخل، وحتى قطع الصيانة قليلة. ولو لقيت القطعة، السعر صعب على الناس”.
الأرقام من داخل المحل تكشف حجم التغيّر. يقول إن بطارية لهواتف نوكيا كان يشتريها بالجملة قبل الحرب بنحو أربعة شواكل، فيما يصل سعرها اليوم إلى نحو 120 شيكلًا (أكثر من 40 دولار). ويقول إن كابل شحن كان يباع بنحو 15 شيكلًا (5 دولارات)أصبح قرابة 150 (أكثر من 50 دولار)، فيما أصبح سعر رأس شحن كان يباع بنحو 30 شيكلًا (أكثر من 10 دولارات) يتخطى حاجز المئة شيكل (34 دولارا تقريبا). الهاتف البسيط المعروف في غزة باسم “الكشاف”، الذي كان يباع بنحو 40 شيكلا(13 دولار ونصف)أو 50 شيكلًا (قرابة 17 دولار)، وصل سعر المستعمل منه خلال فترات من الحرب إلى 350 أو 500 شيكل أي (118 أو 169 دولار)
هذه الأسعار تتفاوت بحسب المنطقة والنوع وما يتوافر في السوق، لكنها تعكس، بحسب الكتري، الفارق بين ما كان عليه قطاع الهواتف قبل الحرب وما آل إليه.
ندرة وسوق سوداء وأسعار جنونية
عند ظهور هواتف “آيفون 17 برو ماكس” في غزة أواخر 2025، وصل سعر نسخة 256 غيغابايت، وفق رصد لأسعار الأجهزة المتداولة في السوق المحلية، إلى نحو 35 ألف شيكل، في ظل كميات شديدة المحدودية.
مع وصول مزيد من الأجهزة بطرق غير رسمية، تراجع السعر إلى حدود 17 ألف شيكل،( أكثر من 5750 دولار) ثم إلى قرابة ثمانية آلاف (أكثر 2700 دولار) مع زيادة المعروض في بعض فترات التداول.
في فبراير/شباط 2026، أعلنت السلطات الإسرائيلية توجيه اتهامات إلى مجموعة تضم جنودًا وجنود احتياط، في قضية تهريب شملت أجهزة آيفون وهواتف محمولة وبطاريات وسلعًا أخرى إلى القطاع. وبحسب لوائح الاتهام التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس، بدأت بعض عمليات التهريب في صيف 2025، واستخدم مشتبه بهم تصاريح مرتبطة بعملهم العسكري لنقل بضائع إلى داخل القطاع.
لا يمكن ربط كل التغيرات في الأسعار بهذه الشبكة وحدها، لكن القضية كشفت إحدى القنوات التي وصلت عبرها أجهزة إلى سوق كانت تعاني نقصًا حادًا في المعروض. ومع تراجع وصول الأجهزة مجددًا، عاد السعر للارتفاع، ويبلغ حاليًا نحو 11 ألف شيكل (أكثر من 3722 دولار) لنسخة 256 غيغابايت مستعملة، وفق العروض المتداولة داخل غزة.
أزمة قديمة عمّقتها الحرب: حظر المعدّات وانهيار البنية التحتية للاتصالات
القيود على معدات الاتصالات ليست جديدة على قطاع غزة. فقبل الحرب بسنوات، كانت إسرائيل تفرض قيودًا على إدخال أنواع من معدات الاتصالات التي تصنّفها ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج، ما جعل الحصول على بعض المعدات اللازمة لصيانة وتطوير شبكات الاتصالات مرتبطًا بالموافقات الإسرائيلية.
وفي 10 فبراير/شباط 2020، اتخذت السلطات الإسرائيلية خطوة إضافية، إذ قررت وقف إدخال أجهزة ومعدات الاتصالات إلى شركات القطاع الخاص في غزة حتى إشعار آخر، بعد اتهام فصيل فلسطيني بسرقة معدات اتصالات من مستودع تابع لشركة الاتصالات الفلسطينية “بالتل”. وفي اليوم التالي، مُنعت 11 شاحنة محملة بأجهزة ومعدات اتصالات من دخول القطاع، وفق ما نقله المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن رائد فتوح، رئيس لجنة تنسيق إدخال البضائع.
وفي أبريل/نيسان 2020، كانت القيود على معدات الاتصالات لا تزال موضع انتقاد ومطالبات بالسماح بإدخالها، في وقت كانت فيه جائحة كورونا تزيد الحاجة إلى خدمات الاتصالات والإنترنت. وبذلك لم تكن مشكلة نقص معدات الاتصالات جديدة على القطاع عندما بدأت الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل جاءت الحرب لتوسعها وتضيف إليها أضرارًا واسعة في البنية التحتية ونقصًا في الوقود وقطع الغيار.
خلال الحرب، تعرضت شبكات الهاتف والإنترنت لأضرار واسعة، فيما واجه مشغلو شبكات الهاتف ومزودو الإنترنت صعوبة في إجراء الإصلاحات بسبب القيود على حركة السلع، وتضرر البنية التحتية، ونقص الوقود وقطع الغيار.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، قالت الأمم المتحدة إن استيراد معدات الاتصالات الجديدة إلى غزة كان طويلًا وصعبًا، وإن الكميات المتاحة ظلت محدودة بشدة. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لم يكن قد دخل إلى القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 سوى 20 هاتفًا يعمل بالأقمار الصناعية، و25 جهاز Track24، و30 جهاز VHF رقمي، وأربع منظومات للطاقة الشمسية، بعد التنسيق مع السلطات الإسرائيلية.
الهاتف المحمول في غزة أكثر من مجرد جهاز.. استعمالات متعددة وتحديات أكبر
إسلام منصور، نازح إلى دير البلح، يقول إن هواتف كثيرة اليوم متهالكة بلا بديل: “الجوالات الحديثة اللي معنا متهالكة، شواحن مفيش، قطع غيار مفيش، ولو موجودة، فصعب جدًا (شراؤه) وغالي جدًا”.
يستخدم هاتفه للاتصال، لكن ذلك بات استخدامًا واحدًا من استخدامات عدة: الدراسة، التحويلات المالية، المحفظة الإلكترونية، البيع والشراء. وفي الليل، حين تنقطع الكهرباء، يستخدم مصباح الهاتف للتنقل داخل مكان النزوح أو الذهاب إلى الحمام.
“صار إشي أساسي في بيت كل واحد فينا. إذا خرب الجوال، خلص، لا معك مصاري تشتري غيره ولا معك قطع تصلحه”.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة اتساع الاعتماد على التعاملات الرقمية. ففي سبتمبر/أيلول 2025، كانت مساعدات نقدية لأسر في غزة تُسلّم عبر رموز دفع أو تُحوّل مباشرة إلى المحافظ الرقمية، واستمر توسع هذا النمط مع تفاقم أزمة السيولة.
لكن في الوقت نفسه، ظل الحصول على الأجهزة وقطع غيارها أكثر صعوبة. وفي تقارير الأمم المتحدة خلال 2024، تكررت الإشارة إلى تضرر البنية التحتية للاتصالات، ونقص الوقود وقطع الغيار، وصعوبة إدخال معدات جديدة إلى القطاع.
لهذا لا يفكر منصور في استبدال هاتفه إذا تعطّل. يحاول، كما يقول، أن يحافظ عليه “بكل الطرق”. فثمن جهاز جديد خارج قدرته، وقطع الغيار نفسها أصبحت شيئًا يصعب العثور عليه.
في غزة، لم يعد الهاتف مجرد جهاز يمكن استبداله عندما يتعطل. فقد أصبح وسيلة للاتصال، والدراسة، وتحويل المال، والشراء، والوصول إلى الخدمات، وحتى للإضاءة في مكان النزوح. وكلما زادت الحاجة إليه، أصبح العثور على جهاز جديد أو قطعة لإصلاح القديم أكثر صعوبة.

