خرج نجم بايرن ميونيخ لاحقا عبر إنستغرام ليطمئن جمهوره، موضحا أن ما تعرض له كان نوبات قصيرة ومؤقتة من الغياب مرتبطة بخلل عصبي، وأنه يخضع لمتابعة وإشراف طبي متخصص.
ورأى بعض الأطباء أن طبيعة الأعراض قد تتوافق مع نوبات صرعية يمكن السيطرة عليها بالأدوية، لكن حالة لاعب محترف مثل جمال موسيالا تجعل كل تفصيل موضع اهتمام لدى أسرته وناديه وجمهوره، خصوصا أن التعب والإجهاد وقلة النوم عوامل قد يضعها الأطباء في الحسبان عند تقييم حالته.
وفي خضم المخاوف بشأن قدرة اللاعب على مواصلة مسيرته، حصلت إدارة بايرن ميونيخ على تقييم متخصص من أطباء الأعصاب، قبل أن يسمح الجهاز الطبي لموسيالا بالمشاركة في المباريات. وهكذا، باتت كل انطلاقة للاعب الألماني داخل الملعب تجري تحت عين أخرى تراقب حالته بدقة، هي عين الطبيب.
هل كانت “نوبات غياب” فعلا؟
يشرح استشاري جراحة الأعصاب الدكتور أحمد علام، في حديثه إلى سكاي نيوز عربية، أن نوبات الغياب هي أحد أنواع النوبات الصرعية، وتستمر عادة ثوانٍ قليلة يحدث خلالها اختلال في درجة الوعي، وقد تصاحبها حركات لا إرادية، لكن من دون سقوط في الغالب.
ويقول علام: “تجد الإنسان تصيبه نوبة تستمر ثواني قليلة جدا، وقد لا يدركها هو نفسه؛ يتوقف ثم يكمل”، موضحا أن نوبات الغياب الكلاسيكية قد تظهر في صورة فتح العين وإغلاقها، أو حركات في الفم واليدين، أو توقف مفاجئ عن النشاط مع نظرة ذهول، ثم عودة الشخص إلى حالته الطبيعية.
ويضيف أن المصاب لا يعاني عادة إرهاقا بعد انتهاء النوبة، كما يحدث في النوبات الصرعية الكبرى، ولا يسقط على الأرض. ومن هنا، يسجل علام ملاحظة مهمة بشأن حالة موسيالا، قائلا إن المقاطع المصورة “لا تتماشى كثيرا” مع الصورة الطبية المعتادة لنوبات الغياب الكلاسيكية.
ورجح أن يكون اللاعب استخدم في منشوره باللغة الألمانية تعبير “الغياب” لوصف نوبات فقدان الوعي الناتجة من سبب عصبي، وليس بالضرورة للإعلان عن تشخيص طبي دقيق بنوبات الغياب المعروفة.
التشخيص يبدأ من شكل النوبة
بحسب علام، يعتمد التشخيص أولا على الوصف السريري الدقيق: هل شعر المريض بقرب النوبة؟ وهل أصيب بعدها بثقل في الأطراف أو صعوبة في الكلام أو اضطراب في الإدراك؟ وهل تركزت الحركة اللاإرادية في الوجه أو الرأس أو أحد جانبي الجسم؟.
بعد ذلك يأتي تخطيط كهرباء الدماغ “EEG”، إذ إن لكل نوع من النوبات الصرعية نمطا يمكن أن يظهر في التخطيط، وهو ما يساعد الأطباء على اختيار العلاج المناسب من بين أدوية متعددة.
لكن فقدان الوعي المتكرر لا يعني تلقائيا الإصابة بالصرع. ويوضح علام أن أسبابه قد تكون نفسية، نتيجة الانفعال الشديد أو اضطراب ضغط الدم واستثارة العصب الحائر، مما يقلل مؤقتا كمية الدم الواصلة إلى الدماغ، وقد تكون مرتبطة بالقلب أو الجهاز العصبي.
وبالنسبة إلى الرياضيين المحترفين، يشير علام إلى أن المشكلات القلبية تظل من أبرز الأسباب التي ينبغي استبعادها، مستشهدا بحالات لاعبين مثل كريستيان إريكسن وأحمد رفعت. فالتدريبات الشاقة وكثرة المباريات وضيق الوقت المتاح للتعافي تضع القلب والجهاز الدوري والأعصاب تحت ضغط شديد.
ويقول: “الاحتراف له ثمن”، موضحا أن اللاعب الذي يخوض 50 أو 60 مباراة في الموسم قد لا يجد وقتا كافيا للتعافي، فيلجأ إلى وسائل مثل العلاج بالتبريد أو الغمر. ولذلك يحتاج رياضيو النخبة إلى متابعة طبية لصيقة وتغذية عالية الجودة وبرامج مدروسة للراحة.
ولا يرى علام ضرورة لإجراء تخطيط دماغ دوري لكل شخص، مؤكدا أن ظهور نوبات الغياب بعد البلوغ وفي سن الشباب نادر جدا. لكنه ينصح الرياضيين بالاهتمام بالفحوص الدورية للقلب، ومراقبة الدهون والكوليسترول، وإجراء الموجات الصوتية على القلب وفقا لتوجيهات الطبيب.
كما يحذر من الإفراط في التدريب، خصوصا لدى المراهقين، لأن العضلات تحتاج إلى وقت كي تتعافى وتعيد بناء نفسها. وقد يؤدي التدريب المفرط إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، وإعاقة نمو العضلات، وتراجع اللياقة، فضلا عن زيادة احتمالات القلق والاكتئاب المزمن.
وعن مستقبل موسيالا، يبدي علام تفاؤله، خصوصا أن أطباءه سمحوا له بمواصلة اللعب، مرجحا أن يكون قد بدأ علاجا دوائيا.
ويرى أن إعلان اللاعب عن حالته كان ضروريا بعد انتشار مشهدي سقوطه، مضيفا: “كان لا بد أن يوضح أنه بخير، وأن الحالة لها دواء، وأنه سيواصل اللعب”.

