بقلم: يورونيوز
نشرت في
أثار الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني انتقادات في إيران، لا سيما في صفوف المحافظين، بعد أن دعا النظام إلى إتاحة المجال أمام الشعب لاتخاذ قرار بشأن إنهاء الحرب، في حال تضمن اتفاق لوقف إطلاق النار تلبية المطالب الإيرانية.
اعلان
اعلان
وانتقد روحاني، الذي أدلى بهذه التصريحات خلال اجتماع ضم عدداً من المحافظين السابقين، “الأقلية الصغيرة التي تمسك الآن بمكبرات الصوت وتثير الضجيج”، في إشارة إلى المتشددين الذين عارضوا “التنازلات الهادفة إلى إنهاء الحرب”.
وقال بحسب التسجيل المنشور: “من المهم جداً أن يكون إطار أهدافنا الوطنية واضحاً لنا أولاً، ثم نعرضه على الشعب. نقول للشعب: خطتنا هي أن نحارب القوى الكبرى في العالم لمدة 20 عاماً أخرى، فإذا قال الشعب إنه يقبل بذلك، فهذا جيد جداً، ولنواصل. لكن إذا لم يقبل الشعب بذلك وأرشدنا إلى طريق آخر، أفلا نريد أن نقبل بذلك؟”.
وقال: “علينا، وفقاً لرأي الغالبية الساحقة من الشعب، أن ننهي الحرب بكرامة حتى نتمكن من إعادة بناء البلاد، وحتى نعوض الأضرار التي لحقت بها”.
كما انتقد الرئيس الإيراني السابق وسائل الإعلام الرسمية في بلاده، معتبراً أن محطات البث الحكومية تحولت إلى “مركز للانقسام”.
وتأتي هذه التصريحات في سياق مواقف متكررة لروحاني منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026.
ومنذ ذلك الحين، دعا الرئيس السابق مراراً إلى تعزيز الدبلوماسية والمفاوضات والعمل على منع تحول المواجهة إلى حرب طويلة الأمد.
انتقادات لاذعة
سرعان ما تحولت تصريحات روحاني إلى مادة لهجوم واسع من التيار المحافظ، الذي اعتبر أن طرح مسألة الحرب على الشعب يتجاهل طبيعة المواجهة التي تخوضها إيران.
ورفض المنشد الديني مهدي سلحشور دعوة روحاني إلى إنهاء الحرب، متسائلاً: “هل نحن من بدأنا الحرب حتى ننهيها؟”، معتبرًا أن نهاية الحرب لا تتحقق، من وجهة نظره، إلا بـ”مواصلة الضغط على العدو وتضييق الخناق عليه”.
أما وسائل الإعلام المحافظة، فتعاملت مع تصريحات الرئيس السابق باعتبارها أكثر من مجرد خلاف سياسي حول إدارة الحرب.
وكتبت وكالة “فارس” أن “تصريحات روحاني الخطيرة لا ينبغي التعامل معها بصورة عادية”، معتبرة أن الرئيس السابق يدرك ما يقول والخط السياسي الذي يختاره في ظل الحرب.
بدورها، هاجمت وكالة “تسنيم”، المرتبطة بالحرس الثوري، روحاني من خلال سجله الدبلوماسي، معتبرة أنه تحول من “شيخ الدبلوماسية”، وهو اللقب الذي اكتسبه بسبب دوره في المفاوضات النووية، إلى “شيخ الخسارة”، واتهمته بتبسيط قضايا معقدة مثل الحرب والسلام والتفاوض، وبالرهان على اتفاقات مع الغرب لم تنجح، بحسب روايتها، في حماية المصالح الإيرانية.
أما موقع “تابناك” المحافظ، فرفض فكرة إخضاع قرار الدفاع عن البلاد للاستفتاء، معتبراً أن سؤال الشعب عن مواصلة الحرب يتجاهل، بحسب الموقع، حقيقة أن إيران لم تبدأ المواجهة، وإنما دخلتها رداً على هجمات أمريكية وإسرائيلية.
وتساءل الموقع عما إذا كان الدفاع عن البلاد يحتاج إلى تفويض جديد عبر استفتاء في حال تعرضت الدولة لهجوم، مشيراً إلى استهداف مواقع ومسؤولين إيرانيين، وإلى ما نشرته تقارير عن مخاوف أمريكية من محاولات إسرائيل استهداف مفاوضين إيرانيين خلال المفاوضات.
وكانت صحيفة “كيهان” الأكثر حدة في هجومها على روحاني، إذ اعتبرت أن دعوته إلى سؤال الشعب بشأن استمرار الحرب تعني عملياً “منح العدو فرصة للسيطرة على البلاد” أثناء انتظار إجراء الاستفتاء. وذهبت الصحيفة إلى حد القول إن معنى موقف الرئيس السابق هو “تسليم البلاد للعدو”.
وفي مقال آخر، ربطت “كيهان” مواقف روحاني الحالية بسياساته خلال رئاسته، خصوصاً موقفه من الاتفاق النووي والعلاقات مع الولايات المتحدة، واتهمته بتبني “النهج الاستسلامي”.
ولم يقتصر الهجوم على وسائل الإعلام المكتوبة، إذ تناولت البرامج السياسية في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، الخاضعة لنفوذ المحافظين، مواقف روحاني بالانتقاد، مستحضرةً تجربة الاتفاق النووي المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”.
وتأتي الحملة ضد روحاني في وقت سبق أن دعا فيه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، وهو أحد أبرز رموز التيار الإصلاحي، إلى تحقيق “سلام مشرّف” لإنهاء الحرب، وهو موقف واجه بدوره انتقادات من شخصيات تنتمي إلى التيار المتشدد.
من “شيخ الدبلوماسية” إلى ناقد داخلي
لم يكن حسن روحاني، البالغ 77 عاماً، شخصية هامشية في النظام الإيراني، بل أمضى عقوداً في مواقع سياسية وأمنية وعسكرية رفيعة، قبل أن يصل إلى الرئاسة ويتحول لاحقاً إلى أحد أبرز المنتقدين من داخل المنظومة السياسية.
تولى روحاني رئاسة إيران بين عامي 2013 و2021، لكنه كان حاضراً في دوائر صنع القرار قبل ذلك بسنوات طويلة، حيث شغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي لمدة 16 عاماً، كما تولى خلال الحرب العراقية الإيرانية مناصب عسكرية وأمنية عليا على مدى ثماني سنوات، وكان عضواً في البرلمان لمدة 20 عاماً.
وبرز اسمه على المستوى الدولي خصوصاً عندما تولى إدارة المفاوضات النووية مع الدول الأوروبية بين عامي 2003 و2006، خلال فترة رئاسة محمد خاتمي. ومنذ ذلك الوقت، ارتبط اسمه بالتيار المعتدل وبسياسة خفض التوتر والانفتاح الدبلوماسي على الغرب.
وخلال رئاسته، كان روحاني من أبرز الداعمين للتفاوض مع الولايات المتحدة وأوروبا، وبلغ هذا المسار ذروته عام 2015 بتوقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة “1+5″، التي ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا.
ونص الاتفاق على قبول إيران قيوداً على برنامجها النووي ومستوى تخصيب اليورانيوم، مقابل تعليق أو رفع مجموعة من العقوبات الأمريكية والأوروبية والدولية. وبعد توقيعه، شهدت إيران تدفقاً للاستثمارات الأجنبية وتحسناً نسبياً في المؤشرات الاقتصادية، كما تراجع التضخم إلى مستوى أحادي الرقم.
وكان روحاني قد خطا خلال رئاسته خطوة نادرة في العلاقات الإيرانية الأمريكية عندما أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما. وكانت تلك المكالمة الأولى والوحيدة بين رئيس إيراني ونظيره الأمريكي منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وأثارت آنذاك انتقادات داخلية، بما في ذلك من المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي.
لكن المسار الدبلوماسي الذي تبناه روحاني تلقى ضربة قوية عام 2018، عندما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على إيران. وردت طهران بالتراجع تدريجياً عن القيود النووية التي وافقت عليها، الأمر الذي أدى عملياً إلى انهيار الاتفاق وتصاعد التوتر بين البلدين.
وبعد خروجه من الرئاسة، لم يتحول روحاني إلى معارض يدعو إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إنهاء نظام ولاية الفقيه، بل ظل يتحرك من داخل مؤسسات النظام، مع انتقاله تدريجياً من موقع صانع القرار إلى موقع “الناقد الداخلي” الذي يوجه انتقادات متزايدة لسياسات المحافظين وإدارة الدولة للأزمات.
ويركز هذا الدور الجديد على الدعوة إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي، واستعادة الثقة بين السلطة والمجتمع، وتوسيع مساحة المشاركة الشعبية في القرارات المصيرية، إلى جانب العودة إلى الدبلوماسية وخفض التوتر مع الخارج.
غير أن هامش تحرك روحاني داخل النظام تقلص بصورة واضحة، خصوصاً بعد استبعاده من الترشح لانتخابات “مجلس خبراء القيادة”، الهيئة التي تتولى انتخاب المرشد الأعلى. وقد عكس ذلك تراجع موقعه داخل المؤسسات النافذة، بالتوازي مع تصاعد الهجوم عليه من التيار المحافظ.

