ترى صحيفة “جيروزاليم بوست” أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، يدخل المرحلة المقبلة من ولايته العسكرية من موقع أكثر قوة مما كان عليه الجيش الإسرائيلي خلال الفترة 2023-2025، لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل خرجت من دائرة التهديدات.
اعلان
اعلان
ووفق تقييم الصحيفة العبرية، يدير زامير أربع جبهات مختلفة في الوقت نفسه: إضعاف القدرات الإيرانية وتأخير إعادة بنائها، احتواء حزب الله من دون امتلاك استراتيجية خروج واضحة من لبنان، منع حماس من استعادة قوتها في غزة، والتعامل مع ما اسمته “تصاعد الإرهاب” في الضفة الغربية بالتوازي مع عنف المتطرفين اليهود.
وتستند “جيروزاليم بوست” في هذا التقييم إلى معلومات حصلت عليها من مصادر وتقديرات داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، وتعرض من خلالها صورة أوسع لموقع إسرائيل الاستراتيجي ولطريقة تعامل زامير مع هذه التهديدات.
إيران: إدارة التهديد عبر إطالة أمد تراجع طهران
بحسب “جيروزاليم بوست”، لا ينظر زامير والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي إلى إيران باعتبارها تهديداً انتهى، بل باعتبارها خصماً دخل مرحلة من الضعف النسبي ينبغي استثمارها لإبقاء إسرائيل متقدمة في سباق إعادة التسلح والتطوير العسكري.
وتقول الصحيفة إن العملية الإسرائيلية “زئير الأسد” في مطلع 2026 كانت أقل نجاحاً من عملية “الأسد الصاعد” عام 2025، رغم تدمير أجزاء مهمة من برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وإلحاق أضرار قدرت بين 200 و300 مليار دولار بالبنية العسكرية والصناعية الإيرانية، فضلاً عن اغتيال علي خامنئي.
لكن، وفق رؤية “جيروزاليم بوست”، فإن مكسب زامير الأساسي لا يقتصر على حجم الأضرار التي لحقت بإيران، بل يتمثل في أن إسرائيل خرجت من الحرب وهي أكثر تقدماً في فهم أساليب طهران وفي تطوير تكتيكات جديدة لمواجهتها.
وترى الصحيفة أن هذا الفارق مهم لأن إيران تواجه صعوبة أكبر في تطوير تكتيكات وقدرات جديدة نتيجة نقص الأموال وانشغالها بإعادة بناء قدراتها العسكرية الأساسية، فضلاً عن عدم وجود مسار اقتصادي واضح يسمح لها باستعادة قدرتها السابقة على الاستثمار العسكري.
الصواريخ: إبقاء إيران دون عتبة الخطر السابقة
وتربط “جيروزاليم بوست” جزءاً أساسياً من استراتيجية زامير تجاه إيران بقدرة طهران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية.
فقد كانت إيران، بحسب الصحيفة، تمتلك قبل حرب يونيو/حزيران 2025 ما بين 2,500 و3,000 صاروخ، بينما كانت التوقعات قبل الحرب تشير إلى ارتفاع العدد إلى أكثر من 6,000 في مطلع 2026 وإلى 8,800 بحلول أغسطس/آب 2027.
أما بعد الضربات، فتقول “جيروزاليم بوست” إن الجيش الإسرائيلي يتوقع بقاء الترسانة الإيرانية دون 2,000 صاروخ حتى نهاية 2026.
وترى الصحيفة أن الرقم لا يزال خطيراً، لكنه يمثل مكسباً لزامير؛ فإيران، حتى مع قدرتها على إعادة بناء أجزاء من إنتاجها بسرعة، ستظل تمتلك عدداً أقل بكثير من الصواريخ مقارنة بما كان متوقعاً لها.
ويزداد هذا المكسب، وفق “جيروزاليم بوست”، بسبب نجاح الولايات المتحدة حتى الآن في منع الصين من إعادة تزويد إيران بمعدات ومكونات أساسية لإنتاج الصواريخ الباليستية.
وكانت الصحيفة قد علمت في أبريل/نيسان أن الاستخبارات الإسرائيلية تخشى تحديداً من إمكانية حصول طهران على خلاطات كوكبية ومعدات أخرى تسمح لها بتسريع الإنتاج. وبعد تدمير هذه القدرات داخل إيران، قد تضطر طهران إلى استخدام وسائل إنتاج تقليدية أبطأ وأقل كفاءة.
وبالتالي، فإن طريقة زامير في إدارة التهديد الإيراني، وفق قراءة “جيروزاليم بوست”، تقوم على إبقاء الفجوة العسكرية مفتوحة وإطالة الفترة التي تحتاجها إيران لاستعادة قدراتها، بدل التعامل مع التهديد باعتباره قد زال.
لبنان: إضعاف حزب الله من دون استراتيجية خروج
في لبنان، ترى “جيروزاليم بوست” أن زامير حقق تراجعاً كبيراً في القدرات العسكرية لحزب الله، لكنه لم يجد حتى الآن حلاً سياسياً أو أمنياً ينهي التهديد.
وتقول الصحيفة إن ترسانة حزب الله تراجعت من نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة هاون بعد حرب 2023-2024 إلى ما بين 30 ألفاً و50 ألفاً، ثم إلى نحو 10 آلاف قطعة بعد الحرب التي شنها الجيش الإسرائيلي عليه عام 2026.
كما جعل الجيش الإسرائيلي، وفق الصحيفة، قدرة حزب الله على غزو إسرائيل حالياً شبه مستحيلة من خلال السيطرة على منطقة أمنية بعمق يقارب 10 كيلومترات داخل جنوب لبنان.
لكن “جيروزاليم بوست” تشدد على أن إضعاف حزب الله لا يساوي إنهاء التهديد. فلا توجد عملية حقيقية لنزع سلاح التنظيم، فيما يخشى الجيش اللبناني الدخول في مواجهة مباشرة معه.
ومن منظور الصحيفة، تكمن المشكلة التي يواجهها زامير هنا في أن الجيش يستطيع إدارة ساحة العمليات، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج تسوية سياسية لبنانية تضمن إنهاء تهديد حزب الله.
ولهذا تحذر “جيروزاليم بوست” من احتمال بقاء إسرائيل عالقة في لبنان على المدى الطويل، كما حدث بين 1982 و2000، في ظل غياب استراتيجية خروج واضحة.
غزة: منع إعادة بناء حماس
وفي غزة، تصف “جيروزاليم بوست” نهج زامير بأنه يقوم على منع حماس من استعادة قدراتها، مع الاعتراف بحدود ما يستطيع الجيش تحقيقه.
وتقول الصحيفة إن الجيش الإسرائيلي بذل ما يستطيع لمنع الحركة من إعادة بناء قوتها، لكنه لا يستطيع إجبار الحكومة الإسرائيلية على السماح لجهات فلسطينية أخرى أو جهات دولية بالدخول إلى القطاع لتوفير بديل عن حماس.
وترى الصحيفة أن هذه النقطة تكشف الفارق بين المسؤولية العسكرية والسياسية: الجيش يستطيع إضعاف الحركة وملاحقة قدراتها، لكنه لا يستطيع بمفرده إنشاء بديل سياسي أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
وبحسب “جيروزاليم بوست”، حذر زامير من أن عدم تقليص تهديد حماس، سواء بالوسائل الدبلوماسية والسياسية أو من خلال عملية عسكرية كبيرة جديدة، يمكن أن يسمح للحركة بإعادة بناء نفسها تدريجياً كتهديد لإسرائيل.
وتشير الصحيفة إلى أن دخول قوات الاستقرار الدولية (ISF) واللجنة الفلسطينية التكنوقراطية (NCAG) إلى غزة، إذا حدث بعد التأخير، سيكون مرتبطاً بضغط من إدارة ترامب وليس بقرار عسكري إسرائيلي منفرد.
الضفة الغربية: إدارة تهديدين في الوقت نفسه
وفي الضفة الغربية، يواجه زامير، وفق “جيروزاليم بوست”، مشكلة أكثر تعقيداً لأنها لا تتعلق بتهديد فلسطيني فقط، بل تشمل أيضاً عنف المتطرفين اليهود.
فقد حاول زامير تشديد الإجراءات الأمنية في مناطق فلسطينية اعتُبرت الأكثر إشكالية، وهو ما أدى، وفق بعض التقديرات التي تنقلها الصحيفة، إلى خفض بعض جوانب التهديد الإرهابي بنسبة تصل إلى 80%، من دون القضاء عليه.
وفي الوقت نفسه، ترى الصحيفة أن الجيش والشرطة والشاباك والحكومة فقدوا السيطرة على مئات المتطرفين اليهود الذين يهاجمون الفلسطينيين والجنود.
وفي هذا الملف، اختار زامير، بحسب “جيروزاليم بوست”، تجنب مواجهة علنية مع وزير الدفاع إسرائيل كاتس بشأن إعادة الاعتقال الإداري بحق اليهود المتورطين في أعمال العنف، وهي أداة يطالب الشاباك بإعادتها.
وبدلاً من ذلك، ركز على الحفاظ على السيطرة على التعيينات الرئيسية في الجيش، والضغط من أجل تجنيد مزيد من الحريديم، رغم الضغوط السياسية المتعلقة بالتعيينات وبقضية التجنيد.
مشكلة القوة البشرية داخل الجيش
وتربط “جيروزاليم بوست” بين إدارة هذه الجبهات وبين مشكلة أخرى يراها زامير أساسية: قدرة الجيش نفسه على الاستمرار في تحمل أعباء الحرب متعددة الجبهات.
وكان زامير قد حذر في خطاب خاص أمام الحكومة في مارس/آذار من أن الجيش يواجه مخاطر داخلية بسبب نقص القوى البشرية، وقال: “إنني أرفع 10 أعلام حمراء قبل أن ينهار الجيش الإسرائيلي من داخله”.
وتنقل الصحيفة أن زامير ضغط من أجل زيادة تجنيد الحريديم، كما طالب الحكومة بتقديم دعم أكبر للجيش في مواجهة عنف المتطرفين اليهود.
وفي 27 أغسطس/آب، أعلن توسيع حجم القوات الإسرائيلية المستخدمة للحفاظ على النظام العام في الضفة الغربية استعداداً لأعياد الخريف اليهودية.
ووفق ما أوردته “جيروزاليم بوست” في تقريرها، سيكون حجم القوات أكثر من ضعف العدد الموجود قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، عندما كان نحو 11 كتيبة، بعدما ارتفع في بعض الفترات إلى 15-20 كتيبة.
مع التطلع إلى عام 2027، تقول الصحيفة العبرية إن “زامير نجح، من بعض النواحي، في جعل إسرائيل أكثر أمناً مما كانت عليه خلال الفترة 2023-2025. لكن جميع الجبهات تقريباً لا تزال تمثل تحدياً، ما يعني أن أمامه الكثير من العمل الذي يتعين عليه القيام به”.

