بعد مرور ثلاثة أسابيع على احتجاجات الطلاب في فرنسا، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التظاهرات ستتلاشى مع الوقت أم ستتطور إلى حركة اجتماعية أوسع. بدأت الاحتجاجات وحالات إغلاق المدارس في ضواحي باريس في منتصف أيلول/سبتمبر، قبل أن تمتد سريعا إلى مختلف أنحاء البلاد. ونجحت الصور اللافتة للطلاب وهم يتسلقون العمود الشهير في ساحة الباستيل في باريس يوم الخميس في لفت أنظار الجمهور حول العالم. اكتسبت هذه المشاهد بعدا تاريخيا، إذ تقع الساحة في موقع قلعة سجن الباستيل السابقة التي هاجمها الباريسيون في 14 تموز/يوليو 1789 في لحظة مفصلية من لحظات الثورة الفرنسية. بعد هدمها أصبحت الباستيل رمزا دائما لانتصار المواطنين العاديين على القمع السياسي، وقد أعلن زعيم حزب “فرنسا الأبية” اليساري المتشدد جان لوك ميلونشون على منصة “X” يوم الخميس أن الباستيل قد “أعيد الاستيلاء عليها”. تتصدر مجموعة واسعة من المطالب الطلابية المشهد، من بينها طول اليوم الدراسي والاكتظاظ في الصفوف وتدهور البنية التحتية للمدارس وكثرة غياب المعلمين. وقد لاقت هذه الغضبة صدى لدى الشباب في أوروبا، إذ شهدت بلجيكا وإيطاليا خلال الأيام الأخيرة تحركات طلابية تضامنية.
اعلان
اعلان
هل يمكن أن تتحول حركة الطلاب إلى شيء أوسع؟
من المقرر تنظيم يوم جديد من التظاهرات، بدعم من اتحادات الطلاب والنقابات العمالية، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، بينما حدد يوم 17 أكتوبر لمسيرة منفصلة ضد أزمة غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود، وهي مسيرة كان الإعداد لها جاريا قبل اندلاع الحركة الطلابية الحالية. وتدور تكهنات حول أن تظاهرة 17 أكتوبر قد تشكل عودة لحركة “السترات الصفراء” الشعبية التي ظهرت عام 2018 احتجاجا على زيادة ضريبة الوقود والديزل التي كانت الحكومة تعتزم تطبيقها، حين خرج المحتجون لعدة أشهر كل عطلة نهاية أسبوع لإغلاق الدوارات والطرق السريعة ومستودعات الوقود في أنحاء البلاد، في ظل مواجهات مشحونة مع الشرطة. وإذا تلاقت احتجاجات الطلاب مع موجة أوسع من الاضطرابات الاجتماعية فقد تشهد فرنسا مشهدا يعيد إلى الأذهان أحداث أيار/مايو 1968؛ ففي الأسابيع الأخيرة رفع كثير من الطلاب لافتات تستحضر تلك التظاهرات التاريخية التي تحولت فيها احتجاجات الطلاب إلى إضراب عام شل البلاد. آنذاك انضم عدة ملايين من العمال إلى التظاهرات، ما أدى إلى شلل شبه تام للحياة الاقتصادية لكنه فتح أيضا الباب أمام مفاوضات واسعة حول الأجور. كما أدت الحركة إلى أزمة سياسية دفعت الجنرال ديغول، رئيس فرنسا حينها، إلى حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في حزيران/يونيو 1968 حصل فيها أنصاره على أغلبية برلمانية. ومع ذلك ترك أيار/مايو 1968 أثرا لا يمحى في فرنسا عبر تفكيك كثير من البُنى الاجتماعية الجامدة التي خلفتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وساهمت التظاهرات في دفع حقوق مدنية وطلابية وعمالية إلى الأمام، ورسخت تقليدا للاحتجاجات الجماهيرية في الهوية السياسية للبلاد.
خلفية سياسية متوترة في فرنسا
في الوقت الراهن تكافح حكومة الأقلية في فرنسا لتأمين دعم برلماني لموازنة عام 2027 في ظل رفض أحزاب المعارضة للإجراءات التقشفية المقترحة. وتعاني المالية العامة للبلاد من ضغط كبير، إذ تتوقع الحكومة أن يصل عجز الموازنة إلى 5.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2026، وهو من بين أعلى المعدلات في منطقة اليورو. وقد فاقمت أزمة غلاء المعيشة المتصاعدة، المدفوعة في الأساس بارتفاع أسعار الوقود والطاقة، من شعور المواطنين بالإحباط، فيما يزيد الضغط الاقتصادي على الأسر ويؤجج التوترات الاجتماعية في أنحاء البلاد قبل أقل من ستة أشهر على الانتخابات الرئاسية في ظل مشهد سياسي شديد التفتت. ووفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة “إيفوب” بين 25 و29 أيلول/سبتمبر، تتصدر مارين لوبن، مرشحة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، نوايا التصويت في الجولة الأولى بنسبة 35 في المئة، تليها إدوار فيليب بـ15 في المئة وجان لوك ميلونشون بـ14 في المئة، ما يعني وفق هذه التقديرات مواجهة بين لوبن وفيليب في الجولة الثانية، فيما تشير تقديرات أخرى إلى احتمال سيناريو لوبن في مواجهة ميلونشون. وعلى الرغم من إعلان وزير التعليم إدوار غيفراي يوم الخميس نشر 3.000 مدرس بديل في مختلف أنحاء البلاد لمعالجة نقص المعلمين، في إجراء قد يكلف “عشرات ملايين اليورو” عام 2026، فإن الغضب الشعبي لا يبدو أنه في طريقه إلى الانحسار؛ إذ انتقدت النقابات الخطة واعتبرتها حلا قصير الأمد، محذرة من أن المدرسين البدلاء المتاحين قد لا يلبّون احتياجات المدارس من حيث الاختصاص أو الموقع، وأن حصصا دراسية قد تبقى بلا تغطية في حال عدم توافر بديل مناسب، بينما يُكلف المدرسون البدلاء في أحيان أخرى بمهام دعم فقط إلى حين شغور وظيفة تناسبهم.
منذ البداية حظي الطلاب بدعم نقابات المعلمين، إذ يرى جان ريمي جيرار، المدرس ورئيس النقابة الوطنية للمدارس والتعليم العالي (SNALC)، أن النظام في “أزمة”. ويقول: “نجد صعوبة متزايدة في تعويض غياب المعلمين، والفصول الدراسية في فرنسا من بين الأكثر اكتظاظا في أوروبا، كما أن القاعات ليست مجهزة بما يكفي خلال موجات الحر. هذه أمور نعرفها منذ زمن”. ويضيف: “نقطة الانطلاق هي أن النظام المدرسي يمر بأزمة، وهذا مستمر منذ وقت طويل”. كما انضمت كبريات الاتحادات النقابية في فرنسا إلى صفوف الطلاب؛ فبعد احتجاجات الخميس، أبرزت نقابة “سي جي تي” عددا من التحركات، بعضها لا يرتبط مباشرة بالحركة الطلابية، وأعلنت أن “التحركات تتكاثر وموازين القوى تتغير”. ورسم باولو ستوبيا، أستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية في “معهد العلوم السياسية” بباريس، أوجه شبه بين التظاهرات الحالية وحركات اجتماعية سابقة في فرنسا، من بينها أيار/مايو 1968، موضحا أنه “ليس جديدا أن يتحرك طلاب الضواحي حول مطالب تخصهم تحديدا، ثم تُتبنى هذه المطالب من مدارس ثانوية أخرى أقرب إلى مركز المدينة”. ويرى ستوبيا أن مشاركة طلاب المدارس الخاصة في عمليات الإغلاق تشكل تطورا لافتا في حركات الاحتجاج الطلابية، كما فاجأت كثيرين مشاركة طلاب جامعة “باريس-بانتيون-آساس”، التي تُعتبر ذات قاعدة طلابية محافظة، في إغلاق الجامعة يوم الخميس. ومع ذلك حذّر من أن عطلة منتصف الفصل الدراسي المقبلة قد تؤثر في زخم الحركة، قائلا: “حين تكون هناك عطلة مدرسية تستمر أسبوعين، يصبح من الأصعب إعادة إطلاق حركة بعد ذلك لأن كل شيء يكون قد وُضع على الرف”.
حركة تتوسع على وقع العنف الشرطي وتسييسها المتزايد
رغم أن العديد من التظاهرات مرت بهدوء، فإن بعضها شابه أعمال شغب على الهامش واشتباكات مع قوات الأمن. ووفقا لأرقام وزارة العدل الفرنسية الصادرة يوم الجمعة، جرى 6.877 عملية توقيف منذ بداية الحركة، 86 في المئة منها طالت قُصّرا، وهو رقم لافت مقارنة بأسابيع حركة “السترات الصفراء” الأولى عام 2018، التي شهدت وضع 4.596 شخصا في الحجز لدى الشرطة خلال شهرها الأول. وقد نددت منظمات حقوقية بما وصفته بعنف الشرطة، بعد سلسلة من الإصابات المروعة في صفوف الطلاب، من بينها فتى يبلغ من العمر 15 عاما فقد يده اليسرى بسبب قنبلة صوتية أطلقتها الشرطة، وآخر عمره 16 عاما أصيب بالعمى الجزئي نتيجة رصاصة مطاطية، وفتى ثالث في 14 من عمره تهشّم فكّه وفقد عدة أسنان بعدما أصيب بقنبلة غاز مسيل للدموع. وتخضع هذه الحوادث لتحقيقات داخلية، إذ تجري الهيئة التأديبية للشرطة الفرنسية حاليا 24 تحقيقا. وأعرب متحدث باسم الأمم المتحدة يوم الجمعة عن قلق المنظمة إزاء الوضع في فرنسا، داعيا إلى أن تبقى التظاهرات سلمية وأن يكون استخدام القوة “متناسبا”. في المقابل تشير السلطات إلى إصابة 761شرطيا ودركيا منذ بداية الاحتجاجات، كما تعرضت عدة مدارس في أنحاء البلاد لأعمال تخريب أو حرق أو نهب، وفي بعض الحالات اندس مخربون في صفوف المتظاهرين. ويرى ستوبيا أن مستوى القمع الشرطي في الأسابيع الأخيرة “غير مسبوق” منذ احتجاجات أيار/مايو 1968، فيما تؤكد فاليري بيكتيه، أستاذة علم الاجتماع في جامعة CY Cergy بباريس والمؤلفة المشاركة مع ستوبيا لكتاب بعنوان “Geopolitics of Youth: Engagement and (e)Mobilisation”، أن عنف الشرطة ساهم في استقطاب البالغين إلى الحركة، قائلة إن “البالغين، من نقابيين وأولياء أمور، ساروا جنبا إلى جنب مع الطلاب، كما تدخلوا بالاتصال بمحامين وقضاة ردا على أعمال العنف والانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان”، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود شريحة من البالغين تنظر إلى هذه الاحتجاجات “بازدراء” و”تُقصيها أو تُسقط عنها المصداقية”.
دور الأحزاب والسياسة ووسائل التواصل الاجتماعي
في خطاب متلفز مساء الأربعاء، أسف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو لـ”أعمال العنف، والاعتداءات على الطلاب والموظفين، وإصابة رجال الشرطة والدرك، وإحراق المدارس أو تخريبها، وضياع آلاف الساعات الدراسية، ناهيك عن التهديدات والإهانات”. ووجّه انتقادا إلى “قادة سياسيين يستغلون هذا الغضب لخوض معاركهم الانتخابية”، مؤكدا قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان/أبريل أن “سلامة شباب فرنسا ليست مجالا للعب”. وتتّهم الحكومة، إلى جانب أحزاب اليمين واليمين المتطرف، جان لوك ميلونشون وحزبه “فرنسا الأبية” باستغلال الشباب والتلاعب بهم لأغراض سياسية، بينما يؤكد ميلونشون أن حزبه يدعم الحركة لكنه لا ينظم الاحتجاجات ويريد لها أن تبقى سلمية.
وقبيل تظاهرات خمسة أكتوبر، رحب الحزب اليساري المتشدد بما وصفه بـ”تلاقي” المنظمات الطلابية والثانوية والنقابية والمهنية “في أنحاء البلاد”. وترى فاليري بيكتيه أنه رغم اتهام بعض القادة السياسيين بـ”تسييس” الحركة الطلابية، فإن تلاميذ المدارس الثانوية قادرون في المجمل على التمييز بين الدعم السياسي الحقيقي ومحاولات توظيف الحركة لمصالح ضيقة، موضحة أن “هناك فاعلين لا مصلحة خاصة لهم في الحركة كما نرى، وبعضهم من اليسار، بينما يفكر آخرون قائلين: حسنا، هذا قد يكون مفيدا لنا”.
وتضيف أنه “بسبب الطريقة التي تسير بها الأمور، وبسبب الكيفية التي يُعامَل بها الشباب، وكيف يُهمّشون ويُنتقدون، تُفتح في نهاية المطاف فرص أمام الوسطاء السياسيين”. وتحذر من أن الاحتجاجات قد تتطور إلى حركة اجتماعية أوسع، لأن الاستياء من أوضاع المدارس يعكس شعورا أعمق بالغضب من اتساع الفجوة الاجتماعية في فرنسا، قائلة: “هناك لا مساواة على كل المستويات، والفوارق تتسع بين الفئات الاجتماعية المختلفة”، ومع “الارتفاع المستمر في كلفة المعيشة، وكون أبناء الطبقات العاملة يواجهون أصلا تحديات يومية كثيرة، مثل ساعات العمل الطويلة وأوقات التنقل، نصل بالفعل إلى نقطة حرجة في ما يتعلق باللامساواة الاجتماعية”.
الطلاب يروون الاحتجاجات “مباشرة” على وسائل التواصل
انتشرت التظاهرات الطلابية بسرعة عبر أنحاء فرنسا، ويرجع ذلك جزئيا إلى انتشار مقاطع الفيديو الأولى التي صُورت في ضواحي باريس على شبكات التواصل الاجتماعي. ويشير أوليفييه إرتششايد، الأستاذ المحاضر في علوم المعلومات والاتصال بجامعة نانت، إلى أن هذه المنصات تتيح للطلاب تنظيم أنفسهم، لكنها تمكّنهم أيضا من توثيق الاحتجاجات مباشرة من الميدان، موضحا أن “وسائل التواصل الاجتماعي تسمح لهم بتوثيق الواقع وتقديم روايات مباشرة عما يحدث، سواء عندما تسير الأمور على ما يرام أو عندما تسوء للأسف. وقد فُتحت الآن تحقيقات قضائية، ويمكن استخدام الصور المنشورة على الشبكات دليلا، أو على الأقل جزءا من مسار التقاضي”. ويرى أن هذه الوسائل تسهم كذلك في بناء شعور بالانتماء والهوية المشتركة بين المحتجين، ما يغذي زخم الحركة.
ويقول إرتششايد: “إنها وسيلة لبناء إحساس بالهوية الجماعية والتعبير عن الروابط الاجتماعية، بما في ذلك الوعي السياسي أو على الأقل الانخراط المدني. هذا الإحساس بالانتماء والتفاعل الاجتماعي لدى الشباب حاضر بقوة هنا، وهو بالغ الأهمية في عصر الاستخدام الواسع لهذه المنصات”. ونظرا إلى أن نسبة كبيرة من الشباب في فرنسا والعالم تعتمد على وسائل التواصل مصدرا رئيسيا للأخبار، فقد لعبت هذه المنصات دورا في تشكيل تصورهم للاحتجاجات ولرد السلطات عليها. ويؤكد إرتششايد أنه لا توجد “قواعد ثابتة لا تتغير” تحكم كيفية تطور الاحتجاجات في الأسابيع المقبلة، مضيفا: “مهما كانت الخطوة التالية لهذه الحركة، نعلم أن وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية ستعمل كغرف صدى. فلا منصة تواصل اجتماعي واحدة، مهما بلغت قوتها، قادرة وحدها على إطلاق حركة، لكن هذه المنصات تسهم بلا شك في زيادة الظهور وتمكين الطلاب من تنظيم أنفسهم بسرعة كبيرة”. ويرى أن ثمة “أجندات متقاربة” عدة قبيل الاحتجاجات المقبلة في فرنسا، ويقول إن “من الممكن أن تتقاطع في النهاية كل هذه البدايات المختلفة للغضب أو الاستياء، لكن من الممكن أيضا تماما أن تخبو الحركة الطلابية”.

