نشرت في
في تحليل نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، تناول الصحافي ومحلل الشؤون الأمنية يونا جيريمي بوب هذا السباق، مشيراً إلى أن مسؤولين عسكريين أمريكيين رفيعي المستوى كشفا، في أيلول/سبتمبر، وللمرة الأولى علناً، عن نشر الولايات المتحدة أسلحة هجومية في الفضاء، من دون تحديد طبيعتها.
اعلان
اعلان
وبحسب التحليل، فإن امتلاك الولايات المتحدة والصين وروسيا قدرات مضادة للأقمار الصناعية ليس أمراً جديداً، إذ استعرضت بكين تقنيات من هذا النوع عام 2007، فيما أظهرت الصين وروسيا قدرات أحدث منذ عام 2021، غير أن الإعلان الأمريكي الأخير أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأسلحة المنشورة تعتمد على الليزر، أو الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، أو منصات قادرة على التشويش عليها وتعطيلها من دون تدميرها.
ويشير بوب إلى احتمال رابع يتمثل في الأسلحة النووية، لكنه يستبعد أن تكون محور الإعلان، نظراً إلى التداعيات الواسعة التي قد تنجم عن استخدامها في الفضاء، بما في ذلك الأضرار التي يمكن أن تلحق بالدولة المهاجمة نفسها.
واشنطن تراهن على تعطيل الأقمار الصناعية
وفقاً للتحليل، يرجّح خبراء الفضاء أن تكون الأسلحة الأمريكية المعلَن عنها مرتبطة بما يُعرف باسم “عمليات الالتقاء والاقتراب” (RPO)، وهي تقنيات تتيح لمركبات فضائية الاقتراب من أقمار صناعية أخرى، بهدف التأثير في عملها أو تعطيلها، من دون الحاجة إلى تدميرها بالصواريخ.
وتعود جذور هذه التكنولوجيا إلى ستينيات القرن الماضي، عندما استخدمت الولايات المتحدة مركبات فضائية لتنفيذ عمليات إصلاح في المدار. ويرى بوب أن التحدي التقني الأكبر يكمن في تمكين مركبة من الوصول إلى مدار جسم فضائي آخر، فيما تصبح إضافة أذرع آلية أو وسائل تشويش لاحقاً أقل تعقيداً نسبياً.
وتتمثل إحدى أبرز مزايا هذه التقنيات في تجنّب الحطام الفضائي الناتج عن تدمير الأقمار الصناعية بالصواريخ، والذي قد يشكّل خطراً على مركبات وأقمار أخرى. وفي هذا السياق، كانت واشنطن قد أعلنت سعيها إلى تحقيق تقدم كبير بحلول عام 2028 في نشر منظومات اعتراض فضائية لحماية أقمارها الصناعية.
طموحات إسرائيلية تتجاوز القدرات الحالية
في المقابل، يركز الخطاب الإسرائيلي على تطوير أسلحة ليزر فضائية. ففي 29 حزيران/يونيو، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال إحاطة للصحافيين العسكريين، أن إسرائيل تعمل على تطوير منظومات ليزر قادرة على تنفيذ هجمات من الفضاء باتجاه أهداف على الأرض.
وجاءت تصريحاته استكمالاً لتعهد سابق، أطلقه في الشهر نفسه، بجعل إسرائيل قوة رائدة في مجال الهجمات الفضائية. وقال كاتس إن أحد الأهداف الرئيسية التي وضعها مع رئيس الوزراء يتمثل في استقطاب أفضل العقول، معتبراً أن امتلاك هذه القدرات مستقبلاً سيمنح إسرائيل تفوقاً في الردع والهجوم.
ويربط تحليل “جيروزاليم بوست” هذه التصريحات بإيران، خصوصاً أن إسرائيل استهدفت، خلال حرب عام 2026، منشآت إيرانية مرتبطة بتطوير القدرات الفضائية، بينها مرافق يُعتقد أنها تعمل على تقنيات لمهاجمة الأقمار الصناعية. ومع ذلك، لم يتضح ما إذا كانت تصريحات كاتس تهدف أيضاً إلى توجيه رسالة غير مباشرة إلى روسيا والصين بشأن تعاونهما المحتمل مع طهران.
وتستند الطموحات الإسرائيلية إلى خبرتها في تطوير منظومة “الشعاع الحديدي” (Iron Beam)، وهي منظومة ليزر أرضية، إلى جانب أعمال تتعلق بتقنيات ليزر مستقبلية قد تُستخدم على الطائرات المقاتلة، لكن الانتقال من هذه الأنظمة إلى أسلحة تعمل في الفضاء يطرح تحديات تقنية مختلفة وأكثر تعقيداً.
ويشير بوب أيضاً إلى تكهّنات سابقة بشأن إمكانية استخدام منظومة “آرو 3” الإسرائيلية لتدمير أقمار صناعية، استناداً إلى قدرتها على اعتراض صواريخ باليستية خارج الغلاف الجوي، غير أن هذا الاحتمال لا يزال في إطار التقديرات، فضلاً عن مشكلة الحطام الفضائي التي قد تنتج عن عمليات الاعتراض.
وفي المقابل، يحذّر التحليل من أن تطوير إيران أو أطراف أخرى قدرات فضائية متقدمة قد يتيح لها استهداف الأقمار الصناعية الإسرائيلية، بما يؤثر في قدرات المراقبة والاستطلاع.
الردع الأمريكي و”الطموح” الإسرائيلي
رغم الاهتمام المتزايد بأسلحة الليزر، يرى بوب أن استخدامها في الفضاء أو على متن الطائرات لا يزال يواجه عقبات فيزيائية وهندسية معقدة، تجعل تطويرها أكثر صعوبة من منظومات الالتقاء والاقتراب، التي يمكن الاستفادة منها على نحو أسرع.
ولا يعني ذلك، وفق التحليل، أن الولايات المتحدة أو القوى الفضائية الأخرى تتجاهل تطوير الليزر، بل إن هذه التكنولوجيا تمثل هدفاً طويل المدى، في حين توفر المنظومات القادرة على الاقتراب من الأقمار الصناعية وتعطيلها خيارات أقرب إلى الاستخدام الفعلي، سواء لأغراض هجومية أو دفاعية.
ومن هنا، يميّز بوب بين الإعلان الأمريكي والتصريحات الإسرائيلية. فبحسب تقديره، استهدف إعلان واشنطن في أيلول/سبتمبر توجيه رسالة ردع فورية إلى الصين وروسيا، مفادها أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل وسائل يمكن استخدامها في مواجهة أي هجوم على أقمارها الصناعية.
أما تصريحات كاتس، فيعتبرها أقرب إلى الترويج لقدرات مستقبلية لم تصبح جاهزة للاستخدام بعد، أو محاولة لممارسة ضغط نفسي على إيران، في ظل احتمال تعاونها مع موسكو وبكين لتطوير وسائل تستهدف التفوق الإسرائيلي في مجال الأقمار الصناعية.
وبذلك، يخلص التحليل إلى أن الفارق الأساسي لا يكمن في الطموح إلى امتلاك أسلحة فضائية فحسب، بل في مدى جاهزيتها للاستخدام، إذ تبدو التقنيات القادرة على تعطيل الأقمار الصناعية أقرب إلى التطبيق، بينما لا تزال أسلحة الليزر المدارية مشروعاً يواجه تحديات كبيرة قبل تحوّله إلى قدرة عسكرية فعلية.
المصادر الإضافية • وكالات

