كشفت وثائق سرية أمريكية أُفرج عنها حديثاً عن شبكة من التحقيقات والمراقبة التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن مسؤولين إسرائيليين ودبلوماسيين ورجال أعمال وصحفيين وشخصيات من الأوساط الصهيونية، خلال السنوات الأولى من قيام إسرائيل. وتتضمن الملفات شبهات تسريب تقارير عسكرية أمريكية، ومراقبة مسؤولين إسرائيليين، وتحقيقات في عمليات شراء طائرات ونقل أموال، فضلاً عن محاولات تتبع البريد الدبلوماسي الإسرائيلي.
اعلان
اعلان
وتضم المجموعة نحو 1700 صفحة من ملف استخباراتي سري يعود إلى الفترة الممتدة بين أواخر الأربعينيات والخمسينيات.
من بين أبرز الأسماء التي وردت في الوثائق حاييم هرتسوغ، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا لإسرائيل، والذي خضع للتدقيق قبل وصوله إلى الولايات المتحدة عام 1950 لتولي منصب الملحق العسكري الإسرائيلي في واشنطن.
ففي مذكرة مؤرخة في 8 مايو/أيار 1950، طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي موافقة الخارجية الأمريكية على إجراء تحقيق معه فور وصوله. وكان هرتسوغ، البالغ حينها 31 عاماً، قد شارك في تأسيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وتولى رئاستها قبل تعيينه في واشنطن.
وعندما وصلت سفينة “كوين إليزابيث” إلى نيويورك في 15 مايو/أيار، كان عملاء المكتب في انتظاره، وسجلوا توقيت وصوله وتفاصيل جواز سفره الدبلوماسي ووجهته إلى السفارة الإسرائيلية.
وشملت التحقيقات غيديون رافائيل، الذي أصبح لاحقاً المدير العام للخارجية الإسرائيلية وسفيرها لدى الأمم المتحدة، فضلاً عن إليعازر ليفنه، عضو الكنيست عن حزب ماباي، وموشيه روزيتي، أول سكرتير للكنيست.
كما ورد اسم تيدي كوليك، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لبلدية القدس لفترة طويلة. غير أن مكتب التحقيقات الفيدرالي خلص في حالته إلى أن زيارته للولايات المتحدة عام 1951 لا تبدو مرتبطة بنشاط استخباراتي.
شبهات تسريب تقارير عسكرية أمريكية
تعود بعض التحقيقات إلى يوليو/تموز 1949، حين بدأ مسؤولون كبار في مكتب التحقيقات الفيدرالي تبادل المراسلات بشأن احتمال نقل وثائق أمريكية إلى شخصيات صهيونية لا يُفترض أن تمتلكها.
وحذرت مذكرة موجهة إلى مدير المكتب آنذاك جاي إدغار هوفر من أن هذه التصرفات، إذا ثبتت، قد تشكل انتهاكات لقوانين التجسس الأمريكية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1950، أبلغ محققون عن شخص في واشنطن، حُجب اسمه في الوثائق، اقتبس بدقة من خمسة تقارير أعدها الملحقون الجويون الأمريكيون، ما دفع المكتب إلى الاعتقاد بأنه يمتلك نسخاً منها.
وبدأ المحققون مراجعة الجهات الحكومية التي تلقت التقارير، بما فيها وزارة الخارجية والجيش والبحرية وعدة مؤسسات تابعة لسلاح الجو، في محاولة لتحديد مصدر التسريب المحتمل.
عمليات شراء الطائرات وتمويلها تحت المراقبة
امتدت التحقيقات إلى عمليات شراء الطائرات التي ساهمت في تجهيز إسرائيل خلال السنوات الأولى من قيامها.
ومن بين الأشخاص الذين استقطبوا اهتمام مكتب التحقيقات الفيدرالي نحوم برنشتاين، المحامي لدى الوكالة اليهودية، الذي شارك في شراء طائرات لإسرائيل، وآل شفيمر، الأمريكي اليهودي الذي تولى عمليات شراء الطائرات ونقلها إلى الدولة الجديدة.
وخلال محاكمة شفيمر في الولايات المتحدة عام 1950، قدم برنشتاين رواية مختلفة عن إفادته السابقة للمحققين بشأن علاقته به، ما أثار شكوك المكتب.
كما كشف برنشتاين عن مسار الأموال المستخدمة في العملية، موضحاً أنها جاءت من الوكالة اليهودية عبر حساب خاص لمكتب المحاماة الذي يملكه لدى بنك تشيس في نيويورك، قبل تحويلها إلى حساب شفيمر في بنك أوف أمريكا بهوليوود.
وتعلقت القضية بانتهاكات لقوانين الحياد والتصدير الأمريكية التي كانت تقيد نقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الشرق الأوسط. لكن المدعي الفيدرالي في لوس أنجلوس قرر عدم اتخاذ إجراء ضد برنشتاين لعدم العثور على مخالفة ضمن اختصاصه.
مراقبة رجال أعمال وصحفيين وعلماء
شملت عمليات التدقيق والترصد والترتيبات الأمنية والترشيحات للتحقيق مسؤولين في شركة “ليفي شتراوس” الأمريكية، بينهم والتر هاس، رئيس الشركة المصنعة للجينز، وابنه والتر هاس جونيور، حيث راجع العملاء عناوينهما ومناصبهما وسجلاتهما الائتمانية.
كما جمع المكتب معلومات عن الصحفية رينا غروسمان، زوجة القنصل الإسرائيلي روفين دافني، بشأن عملها السابق في مجلة “تايم” وأنشطتها الصهيونية، فضلاً عن شخصيات أخرى اشتبه في ارتباطها بالاستخبارات الإسرائيلية.
وتضمنت الملفات اسم العالم الإسرائيلي ألكسندر كوهين، الذي أصبح لاحقاً رئيس المعهد الإسرائيلي للبحوث البيولوجية في نس تسيونا، خلال عمله باحثاً في كلية الطب بجامعة هارفارد عام 1951.
وحقق المكتب في وضعه القانوني للهجرة ومصدر دخله، بينما أشار أحد الأشخاص الذين يعرفونه إلى أنه محدود اللغة الإنجليزية لكنه يتمتع بقدرات علمية بارزة.
ومن أكثر الوقائع إثارة للاهتمام في الملفات قضية وثائق داخلية للجامعة العربية في نيويورك، وصلت إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي عبر رابطة مكافحة التشهير.
ووفق مذكرة للمكتب، قدم وحيد الدالي، الذي وصف بأنه ابن شقيق رئيس الجامعة العربية، وثائق داخلية إلى صحفي يهودي أمريكي كان يعتقد أنه متعاطف مع مواقف المنظمة.
لكن الوثائق انتقلت إلى سانفورد غريفيث، الذي عمل لحساب رابطة مكافحة التشهير، ثم إلى مسؤولين فيها قبل إحالتها إلى وزارة الخارجية الأمريكية، وصولاً إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وأشارت المذكرة إلى احتمال أن يكون الصحفي المعني جوزيف إم ليفي، المراسل السابق لصحيفة “نيويورك تايمز” في الشرق الأوسط، الذي غطى الأحداث السياسية والحروب في المنطقة على مدى سنوات.
غير أن مصداقية الوثائق نفسها أصبحت موضع شك.
وأقر ممثل لرابطة مكافحة التشهير عام 1951 بأن مواد سبق أن قدمتها المنظمة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي كانت “غير موثوقة تماماً”، فيما نفت الرابطة وجود مخالفات لمجرد ورود اسمها في الملفات.
واهتم المكتب بآليات نقل البريد الدبلوماسي الإسرائيلي، بالتزامن مع بدء شركة “إل عال” تشغيل رحلات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي أغسطس/آب 1950، استشار المحققون مسؤولي الجمارك في مطار إيدلويلد بنيويورك، لمعرفة كيفية نقل الحقائب الدبلوماسية عبر شركات الطيران والطيارين.
وأظهرت المعلومات أن إسرائيل كانت تسلم حقيبتها الدبلوماسية مباشرة إلى الطيار، الذي ينقلها بعد الهبوط إلى ممثل قنصلي.
ودعا المحققون إلى تطوير مصدر معلومات داخل “إل عال”، في محاولة للحصول على معلومات من داخل المؤسسة.
القدس ونقل السفارة الأمريكية
في مذكرة مؤرخة في أبريل/نيسان 1951، وُصفت مسألة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بأنها ذات “أهمية حاسمة”.
وجاء ذلك في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تدعم منح المدينة وضعاً دولياً، فيما كانت وزارة الخارجية تدرس إمكانية نقل السفارة بعد التشاور مع دول أخرى.
ولم يُنفذ المقترح آنذاك.
وأظهرت الوثائق خلافات داخل المؤسسات الأمريكية بشأن مدى صلاحيات مكتب التحقيقات الفيدرالي في متابعة الأشخاص والمنظمات المرتبطة بإسرائيل.
فقد رفضت وزارة العدل في مايو/أيار 1950 السماح باستخدام وسائل مراقبة تقنية في بعض التحقيقات، كما حذرت مذكرة أخرى من فتح تحقيق واسع ضد المنظمات الصهيونية الأمريكية لمجرد ارتباطها بإسرائيل، خشية اتهام المكتب بملاحقة منظمات دينية وسياسية مشروعة.
وبعد أكثر من 12 عاماً على تقديم طلب الحصول على الملف بموجب قانون حرية المعلومات الأمريكي، بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي الإفراج عن الوثائق في يونيو/حزيران 2026، قبل استكمال تسليم المجموعة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول.
ورغم استمرار حجب أسماء ومقاطع كاملة، تكشف الملفات عن حجم المراقبة الأمريكية لإسرائيل خلال السنوات الأولى من قيامها، وعن الشكوك التي أحاطت بعلاقات دبلوماسية واستخباراتية ومالية بين الطرفين.

