مع دقات مدفع الإفطار التي تعلن نهاية ساعات الصوم، تتحول الشوارع والأزقة في ليبيا إلى فضاءات نابضة بالمحبة والود الإنساني، حيث يتبادل الجيران أطباق الطعام، ويجد الضيوف والوافدون والمغتربون أنفسهم في أجواء من التكافل الاجتماعي تكسر شعور الوحدة.
وتستمر عادة “الذوقة” كتراث ليبي أصيل، إذ تقوم الأسر بتقديم أصناف متنوعة لجيرانها، ليصبح كل منزل محطة لتجربة جديدة على مائدة الإفطار، ما يرسخ أواصر التلاحم الاجتماعي ويضفي على الموائد لمسة من التنوع الغذائي البسيط.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه العادة إلى ثقافة شعبية تتجاوز جدران المنازل، حيث تُخرج العائلات قصع الإفطار إلى الأرصفة والساحات المشتركة، فيتجمع المارة وعابرو السبيل حولها، ليصبح الحي كله غرفة طعام واحدة تتلاشى فيها الفوارق الاجتماعية.
وتكتسب “موائد الرحمن” التي تُقام في الميادين العامة وعلى مقربة من المساجد أهمية خاصة للعمالة الوافدة والمسافرين الذين غابت عنهم الراحة، إذ تديرها مجموعات شبابية تطوعية عبر جمع التبرعات العينية، لتتحول من مجرد وجبات عابرة إلى مناسبات للتواصل والتقارب، ما يمنح المغتربين شعوراً بالانتماء خلال الشهر الفضيل.
وعلى مفترقات الطرق ومداخل المدن، تتجسد أروع صور الإنسانية بمبادرات شبابية تقوم بتوزيع وجبات إفطار خفيفة، عادةً ما تشمل التمر واللبن والماء، للسائقين الذين لم يسعفهم الوقت للوصول إلى منازلهم قبل الغروب، مشهد يعكس روح التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع.
وفي العصر الرقمي، برزت صورة حديثة من التكافل عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال “المطابخ الخيرية” التي تنظمها جمعيات أهلية، لتحديد الأسر المتعففة وتجهيز وجبات متكاملة تُرسل إلى منازلهم بسرية تامة، ملبية احتياجات من يمنعهم الحياء من ارتياد الموائد العامة، بما في ذلك النازحون والأيتام.
وبذلك، يتحول العمل الخيري من مجهود فردي متفرق إلى منظومة متكاملة، توظف التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع دائرة العطاء، وتأكيد قيمة التضامن الإنساني في شهر الرحمة.

