نشرت في •آخر تحديث
لا تزال أم كلثوم، أيقونة الغناء في القرن العشرين، تحتفظ بمكانة مميزة لدى محبيها رغم مرور أكثر من خمسين عامًا على رحيلها عام 1975. وقد تجاوز تأثير صوت كوكب الشرق حدود مصر، ليصبح جزءًا من الذاكرة الموسيقية والثقافية في تركيا، حيث استُقبلت أغانيها بحفاوة قبل أن تسهم العولمة ووسائل الإعلام الرقمية في تقريب الثقافات من بعضها البعض.
ويصف المغني التركي عارف ألتونكايا أول لقاء له بصوت أم كلثوم عبر أغنيتها “إنت عمري” عام 1964، بأنها لحظة غيّرت نظرته للموسيقى بالكامل. ويقول إن ما ميزها لم يكن مجرد مهارتها الصوتية، بل قدرتها على نقل مشاعر تتجاوز اللغة، وهو ما يعكس قول المفكر المصري عباس محمود العقاد بأن الغناء فنّ للعقول والقلوب، لا مجرد أصوات.
جذور شعبية أم كلثوم في تركيا
في تركيا، تعود شهرة “أحد أهرامات مصر” كما يحلو للبعض أن يسميها، إلى أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت تغييرات ثقافية واسعة. فخلال هذه الفترة، تم تعليق بث الموسيقى الكلاسيكية التركية من الإذاعات بين عامي 1934 و1936، ما خلق فجوة موسيقية كبيرة. وفي هذا الوقت، وجدت الإذاعات المصرية طريقها إلى المستمعين الأتراك، حيث كانت تقدم مزيجًا من الموسيقى العربية والتركية.
ويؤكد المؤرخ والباحث مراد أوزيلديريم أن الروابط التاريخية بين مصر والعالم العثماني السابق ساعدت على تقوية هذا الارتباط، حيث لم تكن الإذاعات المصرية تبث الموسيقى العربية فقط، بل قدمت أيضًا مؤلفات تركية، ما ساهم في توطيد علاقة الجمهور التركي بأم كلثوم.
ولعبت السينما دورًا كبيرًا في نشر شهرة أم كلثوم في تركيا. فقد ظهرت في ستة أفلام صورتهم خلال حياتها الفنية، ثلاثة منها عُرضت في دور السينما التركية، مثل “وداد” و”نشيد الأمل” و “دنانير”، واستمرت عروضها لأشهر في إسطنبول، وجذبت الجماهير لمتابعتها على الشاشة الكبيرة في زمن لم يكن فيه التلفزيون متاحًا.
وتؤكد إعلانات الصحف في تلك الحقبة حجم الإقبال الكبير، حيث تحدثت عن صالات مكتظة وأرقام حضور قياسية.
تبادل موسيقي وثقافي
حافظت “الست” على تبادل موسيقي مستمر مع الموسيقيين الأتراك. فقد ربطتها علاقات وثيقة مع كبار الفنانين الأتراك مثل مزيّن سنار ومنير نور الدين سلجوق، الذين زاروا مصر والتقوا بها شخصيًا، وأدوا بعض أغانيها بالعربية وأحيانًا بترجمة تركية للجمهور المحلي.
كما تعلمت أم كلثوم أساسيات اللغة التركية، واطلعت على موسيقى هذا البلد، ما انعكس على أسلوبها في استخدام الأوركسترا الكبيرة ودمج الآلات الشرقية والغربية. وأصبح، هذا الأسلوب لاحقًا مصدر إلهام للموسيقيين الأتراك منذ ستينيات القرن الماضي، وترك بصمة واضحة على الموسيقى الكلاسيكية والحديثة في تركيا.
ورغم أن ذروة شعبيتها في تركيا امتدت من أواخر الثلاثينيات إلى أواخر الخمسينيات، إلا أن تأثيرها لم يتلاشَ.
ففي العقود التالية، ومع ظهور موسيقى الأرابيسك التركية، اقتبس العديد من الموسيقيين ألحان أم كلثوم وأعادوا تقديمها بكلمات تركية، حتى لو لم يُذكر اسمها دائمًا. واللافت أن كثيرًا من جمهورها لم يكن يفهم اللغة العربية، لكنهم شعروا بعمق العاطفة والانفعال في صوتها.
وحتى اليوم، لا زال الجمهور التركي يطلب أغانيها الشهيرة مثل “ألف ليلة وليلة”، بينما الأعمال الكلاسيكية الأطول تُطلب بشكل أقل. وفي عام 2014، أسس ألتونكايا فرقة “طرب إسطنبول/ Tarab Istanbul” التي جمعت موسيقيين أتراك وسوريين لأداء أعمال أم كلثوم، مؤكّدًا أن التزامه بفنها لم يتغير، وأنها كانت أول وأعمق حب فني في حياته ومسيرته.
2025 عام أم كلثوم
وكانت وزارة الثقافة المصرية قد أعلنت أن عام 2025 سيحمل اسم أم كلثوم، بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيلها، مع إطلاق برنامج متكامل من الفعاليات والأنشطة لإبراز إرثها الفني والإنساني.
وقالت الوزارة وقتها في بيان: “يأتي هذا الإعلان لتأكيد الدور المحوري الذي لعبته أم كلثوم في تشكيل الوجدان العربي، بوصفها رمزًا خالدًا للفن المصري وصوتًا تجاوز الأجيال، وما زال يثير إعجاب الملايين”.
وأضافت الوزارة أن البرنامج الاحتفالي سيستمر طوال العام، ويضم مجموعة واسعة من الفعاليات الثقافية والفنية داخل مصر وخارجها، تشمل حفلات موسيقية، معارض فنية، عروض سينمائية، مسابقات، وورش عمل، وعقد لقاءات وندوات متخصصة.

