في شهر نيسان، الذي يذكره عشّاق الطرب بمرارة الفقد، غاب جسد الفنان اللبناني الشامل عصام رجي، ذلك الصوت الذي حفر لنفسه مساحة دافئة في وجدان اللبنانيين والعرب.
عصام رجي، الذي لم يكن مجرد مغنٍ أو ملحن أو مقدم برامج، كان حالة فنية متكاملة تعددت مواهبها لتصوغ إرثاً لا يطويه النسيان، ما زالت أغنياته ومنها “يومين شهرين”، “يا صلاة الزين”، “لاقيتك والدنيا ليل”، و”يا لولو لون الأزرق” تعزف على أوتار الحنين في كل سهرة وكل بيت. إرثه لم يتوقف عند حدود الطرب، بل تجاوزها ليصبح شاهداً على زمن كامل، خصوصاً في تلك اللحظة المفصلية عام 1983، حين شارك في إستعراض “هالو بيروت” للأخوين مروان وغدي الرحباني، ليغني وجع الحرب ومرارة اللجوء إلى الملاجئ.
وكأن كلماته التي نُقشت قبل أربعة عقود كُتبت لتبقى حاضرة حتى اليوم، تروي تفاصيل الحكاية اللبنانية التي لا تنتهي:
“كل ما بسمع هالغنية بتذكر إيام الحرب، كل ما نهرب من عشية ننزل نتخبى من الضرب”
“خوف ورعب وقصف كتير، تبقى حالتنا تعتير، بهالملجى في ناس كتير نغني حتى ننسى الحرب”.
هي كلمات تختصر مفارقة مؤلمة، فبين “هالو بيروت” واليوم، تبدلت أشكال الحرب وأدواتها، لكن بقي أثرها ثابتاً في الذاكرة، وبقي اللبنانيون كما غنى عصام رجي يتمسكون بحب الحياة، يواجهون القسوة بالضحكة، ويقاومون الخوف بالغناء حتى في أحلك الظروف.
وتبقى في المسيرة غصّة لا يمكن تجاهلها، تتمثل في ذلك الصمت الرسمي الذي رافق رحيل عصام رجي ومسيرته الفنية، فبالرغم من حضوره في ذاكرة الناس وبيوتهم، لم ينل عصام رجي التكريم الذي يليق به من الدولة اللبنانية، ولم يُستذكر كما يجب في المهرجانات والمحطات الفنية الكبرى، ولم تُقابل عائلته بلفتة تقدير توازي ما قدّمه من فن راقٍ لهذا الوطن.
لكن في النهاية، يبقى الفن هو الذاكرة الأصدق، إرث عصام رجي لم يعد بحاجة إلى أوسمة أو احتفالات رسمية، لأنه سُجّل حيث لا يُمحى، في ذاكرة الناس وأصوات الأجيال. وسيظل صوته حاضراً، يذكّر بأن الفن قادر دائماً على زرع الأمل، حتى في أكثر اللحظات قسوة، وبأن بعض الأصوات تُولد لتبقى.

