في فيلم “عملاق” (Giant)، لا يكتفي أمير المصري بتقديم دور جديد في مسيرته، بل يخطو خطوة واثقة نحو منطقة أكثر عمقًا ونضجًا فنيًا، فالعمل الذي يتناول سيرة الملاكم البريطاني من أصول يمنية نسيم حميد، لا يُقدَّم كسرد رياضي تقليدي، بل كرحلة إنسانية تتقاطع فيها الهوية مع الطموح، والقوة مع الهشاشة.
أداء أمير المصري يشكّل العمود الفقري للفيلم، فهو لا يقلّد شخصية حقيقية بقدر ما يعيد بناءها من الداخل، فمنذ مشاهد الطفولة الأولى في مدينة شيفيلد، يظهر نسيم كطفل مختلف، محاط بنظرات الريبة والعنصرية، لكنه يمتلك قدرة فطرية على تحويل القسوة إلى طاقة.
والمصري يلتقط هذا التناقض بذكاء، جسد خفيف، نظرة حادة، وحركة تحمل شيئًا من الرقص حتى في لحظات الصدام، وفي الحلبة يصبح الجسد أداة تعبير، وخارجها يتحول الصمت إلى لغة كاملة.
الشراكة التمثيلية مع النجم العالمي بيرس بروسنان تمنح الفيلم ثقله الدرامي، ففي دور المدرب بريندان أنغل، لا يظهر بروسنان كمرشد مثالي، بل كشخصية مركّبة تجمع بين الاحتواء والرغبة في السيطرة، والعلاقة بينه وبين المصري تقوم على إعجاب متبادل، صراع إرادات، وحدود أخلاقية غير واضحة.
هذا التوتر المستمر هو ما يمنح الفيلم نبضه الحقيقي، ويحوّل القصة من حكاية صعود إلى تساؤل مفتوح حول الثمن.
الإخراج يتعامل مع القصة بحس متوازن، يمزج بين واقعية قريبة من الوثائقي ولمسات درامية هادئة، فالكاميرا تقترب من الوجوه أكثر مما تلاحق اللكمات، وتمنح المشاعر مساحة لا تقل أهمية عن الانتصارات، أما السيناريو، فينجح في تتبع تحوّل نسيم من طفل مهمّش إلى نجم تتسابق الجماهير على مشاهدة نزالاته، دون الوقوع في فخ التمجيد السطحي، ويأتي حضور الأم اليمنية ليكسر صخب الشهرة، مضيفًا بعدًا وجدانيًا يوازن الغرور المتصاعد، ويذكّر بالجذور التي لا يمكن الهروب منها.
في المحصلة، “عملاق” ليس مجرد فيلم عن الملاكمة، بل عن الهوية، والسلطة، وحدود النجاح، وهو أيضًا محطة فارقة في مسيرة أمير المصري، الذي يقود العمل بثقة، ويؤكد قدرته على حمل أدوار معقدة إلى مساحة إنسانية صادقة.

