اقتصاد الإمارات – الذكاء الاصطناعي
في وقت يمر فيه المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي بمرحلة إعادة ترتيب واسعة النطاق، تبرز المؤشرات الصادرة عن تقرير “كي بي إم جي” للتكنولوجيا بدولة الإمارات لعام 2026، لتؤكد أن النضج الرقمي بات ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الاقتصادي والاستراتيجي.
وتشير البيانات المستخلصة من آراء قادة القطاع التقني بالدولة إلى أن المؤسسات الاستثمارية والحكومية في الإمارات انتقلت بنجاح إلى مرحلة “السيادة الرقمية الكاملة”، متقدمة بفارق شاسع عن المعدلات العالمية في استباق المخاطر وإدارتها.
إن هذا التحول العميق يعكس رؤية واعية تعيد صياغة مفاهيم التنافسية من خلال معاملة حوكمة التقنية والاعتماد على الكفاءات الذاتية كحائط صد رئيسي في مواجهة المتغيرات الدولية، وهو ما يفتح الباب لقراءة الدلالات العميقة التي يطرحها التقرير، وتحديداً: كيف جعلت مؤسسات الإمارات من الحوكمة الرقمية ميزة تنافسية صلبة؟ وكيف بات أمن البيانات والمواهب المحلية: كلمة السر في تفوق الإمارات الرقمي؟ ومن أي منطلق صعدت هذه المنظومة لتجيب عن السؤال الاستراتيجي: لماذا أصبحت البيئة التقنية للإمارات الحصن الأقوى ضد التقلبات العالمية؟
السيادة الرقمية وتوطين الكفاءات
وتعيد المؤسسات في دولة الإمارات رسم استراتيجياتها التقنية بخطوات مدروسة، في استجابة واعية لمواجهة التعقيدات الجيوسياسية على المستوى العالمي، متقدمةً بذلك على نظيراتها العالمية في معظم مؤشرات إدارة المخاطر الرقمية، بحسب تقرير “كي بي إم جي” للتكنولوجيا في الإمارات لعام 2026 “المتغيرات والتكامل”، حيث يستند التقرير إلى آراء كبار المسؤولين التقنيين في مؤسسات إماراتية تمتد عبر قطاعات الحكومة والخدمات المالية والطاقة والرعاية الصحية والتصنيع والتقنية، ضمن الاستطلاع السنوي الذي تُجريه “كي بي إم جي” عالمياً.
ويظهر التقرير أن 54 بالمئة من المؤسسات الإماراتية المشاركة في الاستطلاع تعتزم استقطاب المزيد من الكفاءات التقنية المحلية خلال الـ 12 شهراً المقبلة، في حين تعتزم النسبة ذاتها تعزيز عمليات تدقيق سيادة البيانات عبر شبكة شركائها، وهي نسب تكاد تضاعف المتوسط العالمي البالغ 36 بالمئئة. وتُعيد المؤسسات الإماراتية بذلك تقييم كل طبقة من طبقات بنيتها التقنية: من يُورّدها، ومن يُؤمّنها، وأين تُبنى.
ويوضح التقرير أن هذا التحول يمتد ليشمل سلسلة الإمداد التقنية بأسرها، إذ تخطط قرابة نصف المؤسسات الإماراتية لتقليص اعتمادها على تراخيص البرمجيات التجارية عبر البدائل مفتوحة المصدر، مقارنةً بـ31 بالمئة على الصعيد العالمي، فيما تعتزم 43 بالمئة من المؤسسات تشديد الرقابة الجغرافية على شركائها ومورديها في مجال الأمن السيبراني، متجاوزةً المتوسط العالمي البالغ 35 بالمئة. كما تخطط 41 بالمئة من تلك المؤسسات لخفض انكشافها التقني، في مؤشر على أولوية الصمود التشغيلي والسيادة الرقمية الموثوقة.
وقال روبرت بتازينسكي، الشريك ورئيس استشارات التكنولوجيا في “كي بي إم جي الشرق الأوسط”: “تُدرك المؤسسات الإماراتية أنه في ظل التعقيدات الجيوسياسية باتت طريقة بناء المنظومة التقنية تحمل من الأهمية ما يضاهي ما يُبنى في حد ذاته. فبينما لا تزال معظم الأسواق تتداول كيفية التعامل مع عالم أكثر تشرذماً، نرى في الإمارات مؤسسات اتخذت قرارها بالفعل وانتقلت إلى التنفيذ”.
وأضاف: “ويعكس التوجه نحو استقطاب المواهب المحلية وتعزيز سيادة البيانات وتشديد الرقابة على سلاسل الإمداد نهجاً قيادياً يُعامل الصمود والابتكار باعتبارهما وجهين لعملة استراتيجية واحدة”.
الإمارات تواجه الصواريخ والاعتداءات بالاستثمارات
الحوكمة ومواجهة المخاطر العالمية
تستند هذه التحولات إلى أسس راسخة، إذ تتصدر 90 بالمئة من المؤسسات الإماراتية أعلى مستويَين في تصنيفات المرونة عالمياً، فيما تُفيد 66 بالمئة منها بامتلاكها قدرات متكاملة في الأمن السيبراني، مقارنةً بمعيار عالمي يبلغ 51 بالمئة.
وتتصاعد أولويات الحوكمة بالتوازي مع هذه الثقة، فـ34 بالمئة من المؤسسات يُصنّفون شفافية الذكاء الاصطناعي في مقدمة مخاوفهم المستقبلية، وهي النسبة الأعلى عالمياً، بينما يُحدد 32 بالمئة أن الانكشاف على مخاطر الملكية الفكرية الناجمة عن استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر يعد خطراً قائماً. وتكشف هذه الأرقام عن سوق باتت فيه الحوكمة ميزةً تنافسية لا مجرد التزام بالامتثال، طبقاً لتقرير ” كي بي إم جي”.
ويرصد هذا التقرير سوقاً تقف عند منعطف فارق، فبعد سنوات من بناء أسس رقمية متينة، وفي ظل تصاعد تعقيدات المشهد العالمي، تتجه المؤسسات الإماراتية اليوم إلى تحويل تلك البنى إلى ميزة استراتيجية، عبر تأمين المواهب والشركاء والبنية التحتية للبيانات التي ستُحدد ملامح التنافسية في السنوات المقبلة.
الثقة الرقمية وجذب الاستثمارات
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” قال الخبير الاقتصادي حسين القمزي: “مع التحول نحو الاقتصاد الرقمي، ظهرت عوامل جديدة تحدد قدرة الدول على جذب الاستثمارات وتحقيق النمو، من أهمها أمن البيانات، وكفاءة الأنظمة الرقمية، والثقة التي توفرها المؤسسات للمستثمرين والشركات والأفراد”.
من هذا المنطلق، يمكن فهم جانب مهم من نجاح الإمارات في بناء مكانة متقدمة عالمياً في المجال الرقمي. فالكثير من الدول استثمرت في التكنولوجيا، واشترت أحدث الأنظمة والأجهزة، لكن الإمارات ركزت على أمر أكثر أهمية، وهو بناء بيئة رقمية متكاملة وآمنة يمكن للأفراد والشركات الاعتماد عليها بثقة، بحسب تعبيره.
وأشار القمزي أن التحول الرقمي لا يقتصر على تقديم الخدمات الحكومية عبر الهاتف أو الإنترنت، بل يتطلب وجود قوانين واضحة تحمي البيانات، وأنظمة قوية للأمن السيبراني، ومؤسسات قادرة على إدارة المخاطر والتعامل مع التحديات المتغيرة باستمرار. وقال: “عندما يشعر المستثمر بأن بياناته محمية، وأن القوانين واضحة، وأن الخدمات الحكومية تعمل بكفاءة، فإنه يصبح أكثر استعداداً للاستثمار والتوسع”.
ومن الناحية الاقتصادية، يؤكد القمزي أن “الثقة أصبحت أحد أهم الأصول في العصر الرقمي. فكلما ارتفعت الثقة في البيئة الرقمية، انخفضت المخاطر وازدادت جاذبية الدولة للأعمال والاستثمارات. ولهذا السبب أصبحت الحوكمة الرقمية الجيدة ميزة تنافسية حقيقية، تماماً كما كانت الموانئ والمطارات والبنية التحتية ميزة تنافسية في العقود الماضية”.
الاستثمار البشري والنهج الاستباقي
وأضاف القمزي: “ومن العوامل المهمة أيضاً أن الإمارات لم تركز على التكنولوجيا وحدها، بل اهتمت ببناء الإنسان القادر على التعامل معها”، لافتاً إلى أن “التقنيات الحديثة لا تحقق نتائجها من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى كوادر مؤهلة تديرها وتطورها وتستفيد منها. لذلك شهدنا استثمارات كبيرة في التعليم والتدريب وبرامج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات، بهدف إعداد جيل قادر على قيادة الاقتصاد الرقمي في المستقبل”.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع التغيرات التي يشهدها العالم اليوم. فالهجمات السيبرانية أصبحت أكثر تعقيداً، والاعتماد على البيانات أصبح أكبر من أي وقت مضى، كما أن التوترات الجيوسياسية باتت تؤثر حتى على تدفق المعلومات والخدمات الرقمية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح القدرة على حماية الأنظمة الرقمية وضمان استمرارية الأعمال عاملاً أساسياً في الحفاظ على النمو الاقتصادي، طبقاً لما قاله القمزي.
وركز الخبير الاقتصادي القمزي على نقطة جوهرية في التجربة الإماراتية هي أن الدولة لم تنتظر وقوع المشكلات حتى تبدأ في معالجتها، بل اتبعت نهجاً استباقياً يقوم على التخطيط والاستعداد المسبق. وهذا النهج يمنح الاقتصاد مرونة أكبر وقدرة أفضل على التعامل مع المتغيرات والأزمات غير المتوقعة.
وخلص إلى أن ” الحوكمة الرقمية لم تعد قضية تقنية تخص المختصين فقط، بل أصبحت جزءاً أساسياً من قوة الاقتصاد وقدرته على المنافسة. وقد نجحت الإمارات في تحويل أمن البيانات، وكفاءة المؤسسات، وتطوير الكفاءات الوطنية إلى عناصر قوة تدعم النمو وتجذب الاستثمارات وتعزز الثقة. وفي عالم يتجه بسرعة نحو الرقمنة، قد تكون هذه العوامل من أهم الأسباب التي تجعل الإمارات في موقع متقدم مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.
تحويل الجاهزية إلى ريادة
من جانبه، يرى عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في “G&K”، في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أن “ما يكشفه التقرير ليس مفاجأة، بل تتويج لمسار واعٍ اختارته المؤسسات الإماراتية. حين تتضاعف معدلات استقطاب الكفاءات المحلية وتدقيق سيادة البيانات على المتوسط العالمي، فنحن أمام منظومة لا تواكب التحول، بل تقوده”.
وأضاف جلال: “اللافت في المشهد الإماراتي أن الحوكمة لم تعد عبئاً امتثالياً، بل أصبحت سلاحاً تنافسياً. أن تتصدّر الإمارات عالمياً في وضع شفافية الذكاء الاصطناعي على رأس الأولويات، فهذا يعني أن الثقة تُبنى بقرارٍ استراتيجي، لا بضغط تنظيمي”.
وأفاد بأن “العبرة اليوم ليست فيما تبنيه، بل في كيف تبنيه. المؤسسات الإماراتية حسمت أمرها وانتقلت إلى التنفيذ، بينما لا تزال أسواق كثيرة تتجادل في النظريات. هذا الفارق بين من يخطّط ومن ينفّذ هو جوهر التفوق.”.
وأشار إلى أن “الاستثمار في الكفاءة المحلية وسيادة البيانات ليس ترفاً، بل تأميناً للمستقبل. حين تستثمر مؤسسة في إنسانها وبنيتها التحتية للبيانات، فهي تبني قدرة وطنية لا تهتزّ مع كل تقلّب عالمي”.
واختتم جلال بقوله: “الإمارات تقف عند منعطف فارق، سنوات من بناء الأسس الرقمية تتحوّل اليوم إلى ميزة استراتيجية. السؤال لم يعد: هل نحن جاهزون؟ بل: كيف نحوّل جاهزيتنا إلى ريادة دائمة في السنوات المقبلة”.
الإمارات ترسل 4 رسائل اقتصادية في يوم واحد

