متجر فود تاون للبقالة في بروكلين، نيويورك
تُعيد الحرب في الشرق الأوسط رسم خريطة الضغوط على قطاع الأغذية العالمي، حيث لم تعد شركات السلع الاستهلاكية العملاقة بعيدة عن صدمات الجغرافيا السياسية.
مع اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والمواد الخام، تجد هذه الشركات نفسها أمام اختبار جديد لقدرتها على حماية هوامش الربحية دون خسارة المستهلكين.
تكشف التطورات الأخيرة عن معادلة أكثر تعقيداً من دورات التضخم السابقة، إذ تتزامن صدمة الطاقة مع تراجع القوة الشرائية وتغير سلوك المستهلكين، ما يضعف قدرة الشركات على تمرير زيادات الأسعار كما فعلت في 2022.
وفي هذا السياق، تتحول الحرب إلى عامل هيكلي يعيد تشكيل توازنات القطاع، حيث تتشابك أسواق الطاقة مع سلاسل الغذاء والأسمدة، مهددة بإطلاق موجة تضخم غذائي جديدة.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن:
- منتجو كل شيء، من معجون الأسنان إلى الفاصوليا المخبوزة والآيس كريم، يستعدون لموجة تضخمية ثانية في أقل من خمس سنوات.
- لكن فرض زيادات في الأسعار على المستهلكين لتعويض الضغط لن يكون سهلاً هذه المرة.
- أدى تحكم إيران في مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى ارتفاعات حادة في تكلفة الطاقة والبلاستيك المستخدم في التعبئة والتغليف.
في الأسابيع التي سبقت الحرب، أعلنت مجموعات السلع الاستهلاكية بما في ذلك بيبسيكو وكرافت هاينز عن خطط لخفض الأسعار لإنعاش أحجام المبيعات الراكدة أو المتراجعة، حيث قلص المستهلكون إنفاقهم.
لكن الوضع الآن يشبه إلى حد كبير ما حدث في عام 2022، عندما أدت تداعيات الوباء والحرب في أوكرانيا إلى تضخم في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، مما دفع مجموعات السلع الاستهلاكية وتجار التجزئة إلى رفع الأسعار بشكل كبير.
بينما يقول المحللون إنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت الضغوط التضخمية الجديدة ستتفاقم إلى الحد الذي وصلت إليه قبل بضع سنوات، إلا أنهم يتفقون على أن المستهلكين الغربيين سيكونون أقل استعداداً لتحمل فواتير البقالة المرتفعة.
ونقل التقرير عن المحلل في شركة آر بي سي كابيتال ماركتس، نيك مودي، قوله:
- شركات السلع الاستهلاكية ستجد أنه “من الصعب للغاية” فرض زيادات في الأسعار في عام 2026 بعد رفعها بقوة في دورة التضخم السابقة.
- “تدرك العديد من الشركات أنها ربما بالغت قليلاً في رفع الأسعار”.
- انخفضت أسهم شركات السلع الاستهلاكية الأساسية الأميركية بأكثر من مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للأسهم القيادية منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما.
قام محللون في شركة TD Cowen بتخفيض توقعات الأرباح لمجموعة من شركات الأغذية الأسبوع الماضي، محذرين من أن ارتفاع تكاليف المدخلات وضعف القدرة على تحديد الأسعار يعرضان توزيعات الأرباح للخطر.
تحذير أممي من أزمة غذاء بسبب الحرب
صدمة الطاقة
من جانبه، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- الحرب الدائرة الآن وضعت شركات الأغذية العملاقة في صلب التفاعلات الجيوسياسية، في ظل تداخل صدمات الطاقة مع اضطرابات سلاسل التوريد، بما يعيد تشكيل موازين الربحية والخسارة في هذا القطاع الحيوي.
- ارتفاع أسعار الطاقة، مع تجاوز النفط مستوى 100 دولار للبرميل وصعود أسعار الغاز، انعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل.
- هذه الضغوط تتفاقم فوق اختلالات سابقة منذ الحرب في أوكرانيا، التي رفعت فاتورة استيراد الغذاء العالمية (..).
- الأزمة تتجه نحو خلق موجة تضخم غذائي مركب، نتيجة تعطل الممرات الحيوية وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة، وهو ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على المستهلكين ويؤدي إلى تراجع الطلب.
ويشير إلى قدرة بعض الشركات الكبرى على تحقيق مكاسب مرحلية عبر تمرير زيادات الأسعار. وفي المقابل، يحذر من تعرض هذه الشركات لخسائر حادة نتيجة العوامل السياسية وتغير سلوك المستهلك، مستشهدًا بحملات المقاطعة التي أدت إلى تراجع أرباح بعض العلامات التجارية.
ويختتم الخفاجي حديثه بالتأكيد على أن الحرب على إيران لا تخلق رابحين مطلقين في قطاع الغذاء، بل تعمّق الانقسام داخله بين أرباح مدفوعة بالتضخم من جهة، ومخاطر متزايدة مرتبطة بالطلب والعوامل السياسية من جهة أخرى، ما يجعل هذا القطاع أكثر ارتباطًا بتقلبات الجغرافيا السياسية.
أزمة غذاء
وبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة تُعنى بمساعدة الدول النامية على الاندماج في الاقتصاد العالمي، يُصدّر نحو 1.33 مليون طن من الأسمدة عبر مضيق هرمز شهرياً. لذا، فإن إغلاق المضيق لمدة 30 يوماً قد يكون كافياً لإحداث نقص في الأسمدة ومخاطر على المحاصيل التي تعتمد على النيتروجين، مثل الذرة والقمح والأرز.
ويشير التقرير إلى أن
- النزاع المستمر الذي يؤثر على منطقة مضيق هرمز يؤدي إلى تعطيل تدفقات الطاقة والأسمدة، مع آثار ملموسة على التكاليف ومخاطر متزايدة على النظم الغذائية والتجارة والاقتصادات الهشة.
- يؤدي هذا الاضطراب إلى ربط أسواق الطاقة بأنظمة الغذاء، مع تزايد الآثار المترتبة على التجارة والتنمية.
- انهار قطاع الشحن عبر مضيق هرمز ، حيث انخفضت عمليات العبور بأكثر من 95 بالمئة، مما أدى إلى تعطيل تدفقات الطاقة والأسمدة.
- ارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير ، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل حاد في مختلف المناطق.
- تُعد المنطقة محورية في إمدادات الأسمدة العالمية ، سواء كمنتج أو كممر تجاري رئيسي.
- تؤدي التكاليف المتزايدة للطاقة والأسمدة والنقل إلى زيادة المخاطر التي تهدد إنتاج الغذاء وإمداداته وأسعاره.
- ينعكس تصاعد الصراع الذي يؤثر على منطقة مضيق هرمز، بشكل متزايد في أسواق الأسمدة، مما يربط بين الاضطرابات في الطاقة والشحن والأسواق الزراعية والإمدادات الغذائية والتجارة في المستقبل .
انعكاس متسلسل
وإلى ذلك، يقول خبير أسواق المال، هيثم فهمي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- ارتفاع أسعار النفط يُعد العامل الأساسي في تأثير تداعيات الحرب على إيران على شركات الأغذية.
- هذا الارتفاع ينعكس بشكل متسلسل على مختلف عناصر التكلفة.
- زيادة أسعار الوقود تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل للمصانع، إلى جانب تكاليف النقل والتخزين، فضلًا عن ارتفاع أسعار المواد الخام، وهو ما يسهم في زيادة معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين.
ويضيف: “هذه العوامل تمثل ضغطاً مباشراً على هوامش أرباح شركات الأغذية، خاصة تلك التي تنتج سلعًا غير أساسية، في حين تكون الشركات المنتجة للسلع الأساسية أقل تأثرًا نسبياً”.
ويؤكد أن حجم التأثير النهائي سيعتمد بشكل كبير على قدرة كل شركة على تمرير الزيادات في التكاليف إلى المستهلكين من خلال رفع أسعار المنتجات.
خوري: الأسواق تتجاهل تصريحات ترامب وتترقب الوقائع

