بقلم: يورونيوز
نشرت في
نجح فريق طبي فرنسي متعدد التخصصات في تنفيذ عملية غير مسبوقة لإنقاذ جنين كان مهدداً بوفاة محققة داخل رحم أمه، وذلك عبر استخدام دواء “سيروليموس” كعلاج سابق للولادة، في سابقة طبية تعتبر الأولى من نوعها عالمياً لمعالجة ورم وعائي من هذا النوع الخطير.
اعلان
اعلان
تعود تفاصيل الحالة إلى نحو نهاية الشهر السابع من الحمل، حين اكتشف الأطباء في مستشفى التوليد بمدينة ميلوز وجود ورم لدى الجنين شُخّص على أنه “متلازمة كازاباخ ميريت”، وهي حالة نادرة تتسم بمخاطر عالية جداً تهدد حياة الجنين قبل الولادة.
تشخيص دقيق لورم عدواني
وكشف الفحص الطبي عن كتلة ضخمة تتمركز على مستوى رقبة الجنين، وكانت تشكل خطراً داهماً يتمثل في احتمالية “ضغطها على مجرى التنفس” لدى الطفل بمجرد ولادته، وفقاً لتوضيحات الدكتور كريس مينيلّا، الطبيب المرجعي في المركز متعدد التخصصات للتشخيص قبل الولادة التابع لمستشفيات ستراسبورغ الجامعية.
وقد أوضح الدكتور مينيلّا هذه المعطيات خلال مؤتمر صحفي عُقد يوم الاثنين في مستشفى “الأم والطفل” بميلوز الواقع في إقليم الراين الأعلى، مشيراً إلى أن الورم كان ينمو بوتيرة سريعة جداً، لدرجة أنه غطى كامل قاعدة وجه الجنين خلال فترة زمنية قصيرة.
وعقب تأكيد التشخيص الأولي، تدخل المركز المرجعي لتشوهات الأوعية الدموية السطحية التابع لمستشفيات ليون المدنية، وهو الجهة المتخصصة في التعامل مع هذه الأمراض النادرة، ليقترح حلاً جذرياً يتمثل في اللجوء إلى علاج ما قبل الولادة باستخدام دواء “سيروليموس”، وذلك تحت الإشراف المباشر للبروفيسور لوران غيبو.
السبيل الوحيد لإنقاذ الحياة
في تصريح هاتفي لوكالة الأنباء الفرنسية، أكد البروفيسور غيبو أن هذا الخيار العلاجي كان يمثل “السبيل الوحيد لإنقاذ هذا الرضيع”، موضحاً طبيعة الخطورة الكامنة في متلازمة كازاباخ ميريت التي وصفها بأنها “ورم شديد العدوانية”.
وأضاف البروفيسور غيبو أن خصوصية هذا الورم تكمن في قدرته الفائقة على “امتصاص الصفائح الدموية”، وهي العنصر الحيوي والأساسي المسؤول عن عملية تخثر الدم في الجسم، مما يؤدي بالجنين إلى المعاناة من انخفاض حاد ومفاجئ في مستويات الصفائح الدموية، ليصبح عرضة لنزيف داخلي قد يكون قاتلاً في أي لحظة.
وفي حالة الطفل الصغير عيسى، لاحظ الفريق الطبي ظهور “علامات ضائقة جنينية” توحي بأن عملية التخثر لديه بدأت بالفعل في التعطل، مما استدعى تدخلاً عاجلاً وحاسماً.
وبعد مشاورات معمقة وتوافق تام بين الفريق الطبي المعالج وعائلة الطفل، تقرر الشروع فوراً في إعطاء العلاج السابق للولادة بدواء “سيروليموس”، وهو دواء يصنف ضمن مضادات تكوين الأوعية الدموية، حيث يعمل على الحد من تكاثرها ونموها بشكل غير طبيعي.
وتعتمد آلية عمل هذا الدواء على إعطائه فموياً للأم الحامل، ليعبر بعدها الحاجز المشيمي (عضو مؤقت وحيوي يتكون داخل رحم المرأة الحامل لتغذية الجنين) بكل سهولة ويصل مباشرة إلى الجنين، مما يسمح بإبطاء نمو الورم بشكل فعال ومنع تفاقم الحالة قبل الولادة.
وشدد البروفيسور غيبو على الأهمية التاريخية لهذه الخطوة، قائلاً: “إنها المرة الأولى التي يُستخدم فيها هذا العلاج تحديداً في المرحلة السابقة للولادة لمعالجة ورم وعائي من هذا النوع الدقيق والمعقد”.
ولادة قيصرية ونتائج استثنائية
تحولت الخطة العلاجية إلى واقع ملموس في 14 نوفمبر 2025، حين ولد الطفل عيسى بعملية قيصرية ناجحة في مستشفى هوتبيير للتوليد بمدينة ستراسبورغ.
وأظهرت النتائج الأولية بعد الولادة تراجعاً ملحوظاً في حجم الورم، وهو ما سمح للرضيع بالتنفس بشكل طبيعي دون الحاجة إلى إجراء التنبيب الرغامي، وهي خطوة كانت تبدو حتمية في السيناريوهات التقليدية لمثل هذه الحالات.
ومع ذلك، ظل مستوى الصفائح الدموية لدى عيسى منخفضاً نسبياً، مما استلزم إجراء نقل دم غني بالصفائح الدموية لضمان استقرار حالته.
وعبرت الدكتورة ألكسندرا شبيغل-بوحدّيد، طبيبة أمراض الدم في قسم الأطفال بالمجموعة الصحية الإقليمية لميلوز جنوب الألزاس، والتي تتابع حالة عيسى بدقة منذ لحظات ولادته، عن ارتياحها العميق للنتائج، قائلة: “إنه علاج استثنائي بكل المقاييس، سمح بإنقاذ هذا الطفل الصغير، وتحقيق تثبيت للتشوه الذي كان يعاني منه”.
يذكر أن هذه التقنية العلاجية السابقة للولادة، القادرة على معالجة التشوهات الوعائية الضخمة والتي يحتمل أن تكون مميتة، كانت قد أُعلن عنها رسمياً في أغسطس الماضي من قبل المركز المرجعي لتشوهات الأوعية الدموية السطحية (CRMR AVS) التابع لمستشفيات ليون المدنية.
ورغم أن هذا البروتوكول العلاجي قد استُخدم سابقاً بنجاح لعلاج أنواع أخرى من التشوهات الخلقية، إلا أنه لم يسبق تطبيقه أبداً على المتلازمة النادرة التي يعاني منها الطفل عيسى، مما يمنح هذه الحالة بُعداً علمياً إضافياً.
تحديات مستقبلية ومسار التعافي
إلى جانب الاحتفاء بالنجاح الحالي، نظر الفريق الطبي نحو المستقبل، حيث أوضح البروفيسور غيبو أن التحدي الحقيقي يكمن الآن في “تحسين وتطوير هذه الرعاية السابقة للولادة”، بهدف تعميمها وتقديمها كخيار علاجي متاح لحالات أخرى تعاني من آفات وعائية مماثلة.
واليوم، وبعد مرور ثلاثة أشهر على ولادته، يظهر الطفل عيسى نمواً مطرداً؛ فرغم استمرار وجود كتلة صغيرة في أسفل وجهه، إلا أنه تحول إلى طفل مبتسم ومتنبّه للحياة من حوله.
وتعبر والدة الطفل، فيفيان البالغة من العمر 34 عاماً، عن سعادتها الغامرة وهي ترى ابنها يتعافى، قائلة: “رغم وجود الورم، فهو طفل طبيعي تماماً، يأكل جيداً وينمو بشكل سليم وطبيعي”.
وغادر الرضيع المستشفى عائداً إلى منزل العائلة بعد شهر واحد فقط من ولادته، حيث يخضع حالياً لبرنامج متابعة طبية منتظمة ودقيقة في مستشفى ميلوز، مع الاستمرار في تلقي جرعات علاج السيروليموس لضمان عدم عودة النمو الورمي.
وتؤكد الدكتورة ألكسندرا شبيغل-بوحدّيد، التي تتابع الحالة أسبوعياً، على التقدم المذهل الذي يحققه الطفل، قائلة: “بما أنني أراه كل أسبوع، أستطيع القول بثقة إنه بخير تام؛ فهو يثبت رأسه جيداً ويبتسم ابتسامات رائعة تملأ القلب”.
وفي شهادة مؤثرة تعكس رحلة الأمل والصبر، ختمت والدة الرضيع حديثها قائلة: “كان الأمر مرهقاً جداً ومليئاً بالتوتر، لكننا أحسناً صنعاً عندما حافظنا على الأمل حتى اللحظة الأخيرة: ها هوذا بين أيدينا اليوم”.

