فالتطورات الأخيرة تجمع بين حشد عسكري روسي ضخم على الحدود الشرقية مع أوكرانيا، يقابله قرار أميركي بتزويد كييف بصواريخ كروز هجومية بعيدة المدى، وبينهما تداخل دبلوماسي اتسم بالارتباك، كشفته “فضيحة ويتكوف” التي أثارت جدلاً واسعاً حول مسار الاتصالات الدولية.
تترافق هذه التطورات مع اعتراف علني من زيلينسكي بأن بلاده غير قادرة على استعادة الأراضي التي سيطرت عليها روسيا بالقوة العسكرية، ما يضع ملف الضمانات الأمنية في قلب المعادلة: ضمانات لأوكرانيا كي لا تبقى مكشوفة أمام الخطر الروسي، وضمانات مقابلة تطالب بها موسكو لحماية مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي.
أوكرانيا بين الاعتراف بالعجز والسعي للضمانات
في خطاباته الأخيرة، بدا زيلينسكي أكثر واقعية. فقد أقر بأن القوة العسكرية وحدها لن تمكّن أوكرانيا من استعادة الأراضي المفقودة، داعياً في الوقت ذاته إلى تأمين ضمانات أمنية طويلة الأمد لبلاده. لكنه لم يكتف بذلك، بل ذهب أبعد حين أعلن أن الأوروبيين منحوا روسيا مهلة حتى مطلع سبتمبر لإبداء نيتها تجاه عقد لقاء ثنائي، ملوّحاً برد محتمل إذا تجاهلت موسكو تلك المهلة.
وفي خضم هذا المسار، أبدى زيلينسكي استعداده لإشراك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المناقشات المباشرة، مدركاً أن دور واشنطن يظل محورياً في أي تسوية مستقبلية، سواء عبر الضغط على موسكو أو عبر ضبط الموقف الأوروبي.
فضيحة ويتكوف: ارتباك في الدبلوماسية الأميركية
وسط هذا الحراك، فجّرت تسريبات من موسكو جدلاً واسعاً بعد لقاء المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
اللقاء، الذي جرى من دون حضور مدون رسمي من الخارجية الأميركية، نقل إلى واشنطن وحلفائها رسائل فسرت على أنها إشارة روسية للاستعداد إلى تقديم تنازلات.
لكن غياب الضوابط البروتوكولية أدى إلى ارتباك في تفسير المواقف، انعكس على صورة الإدارة الأميركية، وأعطى زيلينسكي فرصة لدفع مسار الدعوة إلى لقاء مباشر مع بوتين. هذا الخلل، كما وصفه خبراء، شكّل “فضيحة دبلوماسية” في وقت حساس، وزاد من شكوك الحلفاء الأوروبيين في دقة الرسائل الأميركية.
الموقف الروسي.. لا لقاء بلا تحضير ولا تنازلات
من الجانب الروسي، لم يبد الكرملين استعداداً لتقديم تنازلات حقيقية؛ فبوتين، كما أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو للعلوم الإنسانية نزار بوش خلال مقابلة مع “سكاي نيوز عربية”، يرى أن أي لقاء مع زيلينسكي يجب أن يسبقه تحضير على مستوى الخبراء، مع احتمال وجود وسيط مثل الرئيس الأميركي ترامب.
ويرى بوش أن اللقاء بحد ذاته لن يكون تفاوضياً جاداً، بل مجرد وسيلة لزيلينسكي لعرض صورة سياسية أمام الداخل والأوروبيين، دون قدرة على فرض شروط حقيقية. فروسيا، حسب قوله، لن تتراجع عن أهداف عمليتها العسكرية التي انطلقت عام 2022، ولن تتخلى عن الأراضي التي ضمتها.
أوروبا.. بين الحسابات الأمنية وضغوط الاقتصاد
أوروبا تجد نفسها أمام معادلة صعبة. فمن جهة، هناك تصاعد في التهديدات الروسية وحشودها العسكرية، ومن جهة أخرى ضغوط داخلية ناجمة عن الأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة دعم كييف.
تصريحات قادة أوروبيين، من المستشار الألماني إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني، تضمنت تهديدات بإرسال قوات إلى أوكرانيا أو التعامل مع أي حادث عسكري تحت مظلة البند السابع كما في الناتو، وهو ما تعتبره موسكو استفزازاً مباشراً.
هذه التباينات تجعل أوروبا أمام مرحلة إعادة تفكير استراتيجي، تبحث خلالها عن بدائل لانضمام أوكرانيا إلى الناتو الذي ترفضه واشنطن، ما قد يقود إما إلى توازن طويل الأمد أو إلى سباق تسلح يعيد القارة إلى أجواء الحرب الباردة.
الصواريخ الأميركية: تعزيز محدود أم تصعيد جديد؟
في خضم هذه التوترات، أعلنت إدارة ترامب موافقتها على تزويد أوكرانيا بصواريخ كروز هجومية من طراز “إيرام”، بمدى يصل إلى 463 كيلومتراً وقدرات عالية على الدقة والتأثير. ورغم أن هذه الصواريخ توفر لزيلينسكي ورقة ضغط جديدة، إلا أن قدرتها على تغيير مسار الحرب تبقى محدودة، خاصة أمام التفوق الروسي في مجالات أخرى.
لكن دلالتها السياسية خطيرة، إذ أنها قد تدفع أوكرانيا إلى استهداف العمق الروسي، ما يفتح الباب لتصعيد غير مسبوق، وربما يهدد منشآت حساسة وحتى نووية، وفق تحذيرات خبراء.
بوتين وزيلينسكي: لقاء للاستعراض أم بداية تسوية؟
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن يلتقي بوتين وزيلينسكي وجهاً لوجه قريباً؟
الجواب وفق بوش: من غير المرجح. فروسيا لن تقبل بلقاء ثنائي بلا وسيط، وزيلينسكي يعرف مسبقاً أن بوتين لن يتراجع.
الهدف الحقيقي بالنسبة للرئيس الأوكراني هو الاستعراض أمام شعبه وحلفائه بأنه تمكّن من الجلوس مع بوتين والمطالبة أمام الكاميرات بمطالب أوكرانية، حتى لو كان يدرك أن النتيجة السياسية محدودة.
الضغوط على ترامب: بين المؤسسات العسكرية واللوبيات النفطية
الملف لا ينفصل عن واشنطن. فالرئيس ترامب، بحسب بوش، يتعرض إلى ضغوط هائلة من المؤسسات العسكرية واللوبيات النفطية التي تحقق أرباحاً طائلة من الحرب عبر بيع الغاز والنفط لأوروبا بأسعار مرتفعة. وفي الداخل الأميركي، يواجه ترامب انتقادات حول إدارة الدبلوماسية، مع اتهامات بالارتجال والعشوائية في التصريحات.
ومع ذلك، يظل البيت الأبيض طرفاً لا غنى عنه، سواء في الضغط على الأوروبيين لخفض الدعم العسكري أو في التواصل المباشر مع موسكو، وهو ما أقر به ويتكوف حين قال إن الاتصالات مع روسيا تجري “على مدار الساعة”.
الحشد الروسي: مناورات عسكرية أم استعداد لمواجهة أوسع؟
تأكيدات أوكرانية حول نشر روسيا 100 ألف مقاتل على حدود بوكروفسك أثارت القلق. موسكو بدورها ترى أن هذه التحركات طبيعية في ظل حالة الحرب وتوسع الناتو على حدودها.
بالنسبة للكرملين، نشر قوات بهذا الحجم ليس تصعيداً بقدر ما هو إجراء وقائي واستعداد لمواجهة أي تدخل غربي مباشر.
ما بين المفاوضات وضغط القوة
رغم كل هذه التطورات، لا يعني المشهد أن المفاوضات توقفت. فالاتصالات ما زالت قائمة بين المفاوضين الروس والأوكرانيين، وكذلك بين موسكو وواشنطن. لكن المسار يبدو أشبه بمعركة كسر عظم على طاولة الحوار، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه عبر الضغط العسكري والتهديدات المتبادلة قبل أي تسوية محتملة.
المشهد الراهن يعكس معادلة معقدة: روسيا ترفع سقفها العسكري والسياسي، أوكرانيا تبحث عن ضمانات وحماية غربية، أوروبا مترددة بين الأمن والاقتصاد، وواشنطن تحاول الموازنة بين ضغوط الداخل وحاجات الخارج.
وبين كل هذه التناقضات، يبدو أن الطريق إلى حل سياسي ما زال بعيداً. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة روسية ـ أوكرانية، بل مواجهة بين موسكو وحلف الناتو بكامله، حيث تتحرك الدبلوماسية بخطى مرتبكة على وقع دوي المدافع وحشود الجنود.