بقلم: يورونيوز
نشرت في
تتنامى في إسرائيل حالة قلق متزايدة من اتجاه الولايات المتحدة نحو تسوية دبلوماسية مع إيران، إذ ترى تل أبيب أنها قد تعيد إنتاج نموذج التفاهمات الأميركية مع جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن، وتفضي إلى تقييد هامش التحرك العسكري الإسرائيلي في مواجهة طهران، في مرحلة تعتبرها الدولة العبرية مفصلية لأمنها الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أجرى زيارة سرية إلى واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع، عقد خلالها محادثات مع مسؤولين كبار في وزارة الدفاع الأميركية، ركزت على عرض معطيات استخبارية حساسة، وبحث خيارات عسكرية محتملة ضد إيران، في محاولة للتأثير في مسار المفاوضات الجارية بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطهران.
زيارة سرية ورسائل مباشرة إلى واشنطن
وبحسب الصحيفة، عرض زامير خلال لقاءاته تقييما محدثا يشير إلى تقدم إيران في إعادة بناء قدراتها العسكرية، ولا سيما في مجال الصواريخ الباليستية التقليدية، محذرا من أن هذه التطورات قد تفرغ أي اتفاق نووي جزئي من مضمونه الامني.
وتركزت مناقشات رئيس الأركان، سواء في واشنطن أو في مداولات داخلية حديثة داخل الجيش الإسرائيلي، على الارتفاع المتسارع في إنتاج الصواريخ الباليستية، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران تقترب مجددا من مستوى امتلاك نحو 2500 صاروخ، وهو المستوى الذي كانت عليه قبل الضربات التي تعرضت لها في حزيران 2025، بعدما كانت قدراتها قد تراجعت بنحو النصف.
عوامل القلق في تل أبيب
وفي هذا الإطار، أوضح موقع “والا” أن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بالتطورات العسكرية الإيرانية، بل يستند إلى عاملين رئيسيين. يتمثل الأول في سباق التسلح الإيراني استعدادا لمواجهة مستقبلية محتملة مع إسرائيل، في ظل تلقي طهران دعما من دول عدة بينها الصين، وهو ما يدفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى إعداد خطط عملياتية لضرب هذه القدرات، على غرار العملية التي نفذت في حزيران الماضي أو ربما بشكل اوسع.
أما العامل الثاني، فيرتبط بتغير خطاب كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، إذ تواصل واشنطن تعزيز حشودها العسكرية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تدير قناة تواصل سياسية مع الإيرانيين، ما يثير قلقا في إسرائيل من مسار مزدوج قد ينتهي بتسوية لا تراعي مصالحها الامنية.
خشية من اتفاق لا يشمل الصواريخ
وتخشى إسرائيل، وفق ما أوردته صحيفة “جيروزاليم بوست”، من أن تتوصل إدارة ترامب إلى اتفاق مع طهران يقوم على تجميد تخصيب اليورانيوم، من دون معالجة تهديد الصواريخ الباليستية بشكل شامل. ويعد هذا السيناريو مصدر قلق اساسي لزامير منذ عملية “الاسد الصاعد”، التي استهدفت الجزء الاكبر من البرنامج النووي الايراني، لكنها طالت فقط نحو نصف منظومة الصواريخ الباليستية.
وترى إسرائيل أن أي اتفاق جديد قد يكون اكثر اشكالية من الاتفاقات السابقة، إذ تخشى أن يفرض ترامب، في حال التوصل إلى تفاهم، قيودا صارمة على أي تحرك إسرائيلي لاحق ضد برنامج الصواريخ الايراني.
اليورانيوم المخصب في صلب التحذيرات
وخلال وجوده في واشنطن، شدد زامير على المخاطر المترتبة على السماح لإيران بالاحتفاظ بكميات كبيرة من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، إضافة إلى كميات أخرى مخصبة بنسبة 20 في المئة.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث عدة إلى أن هذه الكميات قد تكون كافية لإنتاج ما بين 9 و10 اسلحة نووية في حال جرى تسليحها. وتخشى إسرائيل من أن توافق واشنطن على صيغة تجميد للتخصيب تسمح لطهران بالاحتفاظ بالمخزون الحالي، ما يترك الباب مفتوحا أمام سيناريوهات خطرة.
ففي حين أن تجميد التخصيب قد يبعد إيران مؤقتا عن القدرة على إنتاج سلاح نووي، ترى إسرائيل أن وجود هذه الكميات الكبيرة من اليورانيوم المخصب قد يتيح لطهران، في حال إنشاء منشأة سرية جديدة، تسريع عملية التحول نحو السلاح النووي باستخدام عدد أقل بكثير من أجهزة الطرد المركزي، مقارنة بالقدرات التي كانت تمتلكها قبل ضربات حزيران 2025.
تجربة الإتفاق مع الحوثيين
وفي سياق متصل، أشار موقع “والا” إلى أن هذه المخاوف تتغذى أيضا من تجربة الاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة مع جماعة أنصار الله في أيار 2025، بعد شن هجوم واسع على الجماعة، في تفاهمات أبقت إسرائيل خارج المعادلة رغم استمرار التهديدات المرتبطة بها.
ولفت الموقع إلى أن إيران سارعت عقب الحرب الأخيرة مع إسرائيل في منتصف العام الماضي إلى دراسة الإخفاقات ونقاط الضعف التي كشفتها المواجهة، وركزت على نقل صناعاتها العسكرية إلى منشآت تحت الأرض، وإعادة تأهيل منشآت إنتاج الوقود الصلب للصواريخ الباليستية التي تضررت، إضافة إلى تفريق المنشآت بهدف إرباك عمل أجهزة الاستخبارات وعرقلة أي ضربات مستقبلية.
سوابق أميركية
وفي موازاة ذلك، نقل موقع “والا” العبري عن مسؤولين إسرائيليين خشيتهم من أن يؤدي نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى تقييد أي ضربة إسرائيلية محتملة ضد طهران، أو دفع إسرائيل إلى التحرك العسكري منفردة.
وأشار الموقع إلى أن هذه المخاوف تعززت بفعل سوابق حديثة، أبرزها منع إدارة ترامب سلاح الجو الإسرائيلي، مع نهاية حرب الاثني عشر يوما في حزيران/يونيو 2025، من استهداف مواقع إيرانية، في خطوة اعتبرتها تل أبيب مؤشرا على استعداد واشنطن لكبح التحركات العسكرية الإسرائيلية في إطار تفاهمات سياسية اوسع.
تأهب واستعداد لكل السيناريوهات
من جهة أخرى، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن إسرائيل تتابع التطورات عن كثب وتبقي قواتها في حالة تأهب مرتفعة، وسط تقديرات تشير إلى أن ترامب مصمم على استنفاد المسار الدبلوماسي، مع بقاء احتمال انهياره قائما.
ونقلت القناة عن رئيس الأركان إيال زامير قوله خلال مناقشات داخلية إن المرحلة المقبلة ستتسم بدرجة عالية من الغموض، مشددا على ضرورة الاستعداد من دون الانجرار إلى مغامرات، مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.
وفي ظل هذا المشهد، ترى إسرائيل أن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستهاجم إيران، بل على ما إذا كانت ستبرم معها اتفاقا يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، على نحو قد يترك تل أبيب أمام خيارات أكثر تعقيدا وحساسية.

