اختيار شركة “Klarna” إدراج أسهمها في نيويورك بدلا من إحدى البورصات الأوروبية كشف عن معضلة تحاول بروكسل حلّها منذ سنوات؛ فالكثير من الشركات الأوروبية الأسرع نموا تفضّل عبور الأطلسي بحثا عن أسواق رأس مال أعمق. وبينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى بناء أبطال في مجال الذكاء الاصطناعي وتعزيز صناعة الدفاع والإبقاء على مزيد من الشركات السريعة النمو وهي تجمع التمويل داخل أوروبا، يظل السؤال قائما: لماذا يعاني تكتل يمتلك مدخرات أسرية تقدّر بنحو 37 تريليون يورو من صعوبة تمويل أنشطته الاقتصادية الأكثر نموا؟ ولهذا كثّف الاتحاد جهوده لإصلاح أسواق رأس المال وجعل تدفق الأموال أكثر حرية داخل التكتل، لكن عملية التوحيد الكامل لهذه الأسواق ما زالت تحتاج إلى سنوات بسبب الخلافات بين الدول الأعضاء على تفاصيل تقنية تعرقل سرعة التفاوض.
اعلان
اعلان
تحدّي القدرة التنافسية
لا تعكس وتيرة المفاوضات الحالية مستوى الإلحاح الذي يعبّر عنه القادة السياسيون في الاتحاد الأوروبي؛ فالتكتل يحتاج إلى أسواق رأس مال أكثر تكاملا كي يتمكن من منافسة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين. ويتطلّب ذلك ضخّ مئات المليارات في قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والدفاع في سياق عالمي يتّسم بحروب وتوترات تجارية حادّة، إذ إن غياب قيادة صناعية وتكنولوجية استراتيجية يعني التخلي عن جزء من النفوذ الجيوسياسي والصلابة الاقتصادية. هذه الرؤية تتبنّاها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، التي جعلت من تعزيز تنافسية أوروبا “البوصلة” السياسية لولايتها، ولذلك كلّفت رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ورئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي بإعداد تقرير عن القدرة التنافسية الأوروبية. ويقدّر التقرير، الذي عُرض في خريف 2024، أن أوروبا تحتاج إلى استثمارات سنوية بين 750 مليار و800 مليار يورو، أي ما يصل إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لتحقيق أهدافها التنافسية وتفادي التراجع العالمي. وحذّر دراغي قائلا: “إما أن نفعل ذلك، أو سنواجه عذابا بطيئا”، في إشارة إلى تآكل تدريجي ومتراكم لموقع أوروبا الاقتصادي بفعل نقاط ضعف هيكلية مثل ارتفاع تكاليف الطاقة وتجزئة السوق الموحدة، ما يجعل القارة أقل جاذبية للاستثمار والابتكار. ويركّز الاتحاد حاليا على أولويتين أساسيتين لفتح إمكانات أسواق رأس المال: إقناع الأسر بتوجيه جزء صغير من مدخراتها الضخمة نحو الاستثمار، ودمج الأسواق المالية الوطنية لتقليص الحواجز داخل السوق الموحدة، مع تحسين وصول المواطنين إلى هذه الأسواق وفهمهم لمزاياها، في إطار تشريعي جديد يُعرف باسم “اتحاد الادخار والاستثمار” (SIU).
لماذا تجد الشركات أن جمع التمويل في الولايات المتحدة أسهل؟
أسواق رأس المال هي فضاءات يُتداول فيها على أدوات مالية طويلة الأجل مثل الأسهم والسندات، وتتيح للشركات جمع الأموال اللازمة للنمو، لكن توسيع النشاط على مستوى أوروبا لا يزال مهمة شاقة؛ فالتعامل عبر الحدود مكلف ويستهلك الوقت ويتطلّب إجراءات إدارية معقّدة بسبب اختلاف القواعد بين الدول الأعضاء، أو اختلاف طرق تطبيقها، ما يدفع غالبية الشركات إلى الاعتماد أساسا على القروض المصرفية. وقالت رئيسة هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية “ESMA” فيرينا روس في مقابلة مع “يورونيوز” إن المطلوب هو “تطوير مصادر تمويل أكثر تنوّعا”.
وفي غياب هذا التنويع، تبحث الشركات عن أسواق أخرى يتوافر فيها التمويل بسهولة أكبر، وفي مقدّمها الولايات المتحدة. وتوضح ريبيكا كريستي، الزميلة البارزة في مركز الأبحاث “Bruegel” في بروكسل، أن سوق رأس المال الأمريكية تستفيد من نهج إشرافي أكثر توحيدا ومن طبقات أقل من البيروقراطية بفضل العملة الواحدة، إلى جانب نظام فدرالي راسخ ودور الدولار كأهم عملة احتياط في العالم، ما يقلّص الحواجز ويزيد جاذبية السوق. وقالت: “أي جهة تحتاج إلى تمويل لديها حافز للذهاب إلى الأسواق الأمريكية، لأن المال موجود هناك”. ويرى خبراء أن تقليص تجزئة سوق رأس المال الأوروبية سيجعل مزيدا من الأموال متاحا للاستثمارات الاستراتيجية ويعزّز الدور الدولي لليورو كعملة عالمية، وهو أحد طموحات القيادة الأوروبية الحالية في وقت يتراجع فيه دور الدولار، فيما تشدد روس على أن “أسواق رأس المال بطبيعتها عالمية”، وأن أوروبا تحتاج إلى أن تكون وجهة جاذبة لرؤوس الأموال القادمة من الولايات المتحدة وآسيا ومناطق أخرى.
لماذا يصعب تحقيق اتحاد فعلي لأسواق المال؟
رغم وجود توافق واسع على ضرورة تعزيز تكامل أسواق رأس المال، لا يزال الخلاف كبيرا حول كيفية تحقيق ذلك على أرض الواقع. فالتشريعات الخاصة باتحاد أسواق المال تُشكّل جزءا من حزمة “اتحاد الادخار والاستثمار” (SIU) التي يناقشها الاتحاد حاليا، ومن أبرز مكوّناتها “حزمة تكامل السوق والإشراف عليها” المعروفة اختصارا باسم “MISP”. ورغم تكثيف المحادثات حول هذه الحزمة في الأشهر الأخيرة، لم تتمكّن الدول الأعضاء بعد من التوصل إلى موقف مشترك، وخصوصا في ما يتعلق بتوحيد آليات الرقابة على أسواق رأس المال.
ففي الربيع الماضي، قدّمت أكبر ست اقتصادات أوروبية، وهي ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا وهولندا، مقترحا يحدّد كيفية تركيز الصلاحيات الرقابية، من خلال نقل جزء منها إلى هيئة “ESMA”، لكن دبلوماسيا أوروبيا قال لـ”يورونيوز” إن التوافق لا يزال غائبا، وحتى بين المؤيدين ثمّة اختلافات كبيرة حول الطريقة والجدول الزمني. وتشرح أورور لالوك، رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي، أن “المشكلة في تكامل أسواق رأس المال ليست سياسية بقدر ما هي وطنية”، مشيرة إلى أن التقدّم في ملف الإشراف ممكن، لكن “هناك الكثير من التفاصيل التي سيكون التفاوض بشأنها صعبا بسبب اختلاف الرؤى” والثقافات المالية بين الدول الأعضاء.
قرار شركة “Klarna” التوجّه إلى أسواق رأس المال الأمريكية بحثا عن عمق تمويلي أكبر يجسّد حجم التحدي الذي تواجهه أوروبا؛ فمع أن هناك إجماعا على ضرورة تعبئة مزيد من الاستثمارات الخاصة لخدمة الأهداف الاستراتيجية للتكتل، فإن تضارب المصالح الوطنية لا يزال يعرقل مسار إقامة **اتحاد حقيقي لأسواق المال** قادر على تمويل طموحات القارة.

