أحيت بلدة معلولا التاريخية في ريف دمشق عيد الفصح المجيد وفق التقويم الشرقي، لكن الاحتفالات هذا العام اتسمت بطابع مغاير تماماً لما عرفته البلدة في السابق وما علق في الذاكرة الجمعية عن هذه المناسبة الدينية.
اعلان
اعلان
اقتصرت الطقوس على إقامة الصلوات والقدّاسات داخل الكنائس الحجرية، امتثالا لتوجيهات كنسية دعت إلى تقليص مظاهر الاحتفال الخارجي في بادرة تضامن مع ضحايا الأحداث المؤلمة التي طالت بلدة السقيلبية المسيحية في ريف حماة عقب الاضطرابات الأمنية الأخيرة هناك.
وقد شهدت كنائس معلولا حضوراً محدوداً جداً للمصلّين، في مشهد مغاير كلياً للزحام المعتاد والأعداد الغفيرة التي كانت تملأ عادة شوارع البلدة في الأعوام السابقة.
واقتصر الحضور على تجمّعات صغيرة العدد للشباب ومجموعة من الراهبات، في مشهد عكس بوضوح تأثير موجات الهجرة المستمرة والأوضاع الأمنية التي حالت دون عودة العديد من أبناء البلدة المقيمين في العاصمة دمشق لقضاء طقوس العيد في مسقط رأسهم.
وغابت تماماً مظاهر البهجة التقليدية عن الشوارع الضيقة؛ فلم تظهر مواكب الكشافة، وخلت الأزقة من الزينة والأعلام، في مدينة لا يزال سكانها ينطقون باللغة الآرامية، لغة السيد المسيح.
كما سجلت معلولا ندرة ملحوظة في وجود السياح الأجانب خلال العيد، حيث كانوا بضعة أفراد فقط ولم يتجاوز عددهم “أصابع اليد”، بعد أن كانت البلدة تعتمد بشكل كبير على تدفق الزوار في مثل هذه المناسبات.
“الالتزام بالبيان البطريركي أولوية”
وفي معرض التعليق على غياب الاحتفالات، أكد إلياس فاضل، قائد فرقة مراسم مار تقلا، التزام الجميع بالبيان البطريركي، مشيراً إلى أن النشاط اقتصر على الصلوات وزينة خفيفة جداً داخل أسوار الكنيسة فقط.
ورغم قلة الأعداد، وصف فاضل الأجواء بالإيجابية، قائلاً لـ”يورونيوز”: “كانت الأجواء جميلة، والناس يصلّون ونتمنى أن تزول الغيمة والحزن، ونعيد بفرح وسلام”.
وعزا إلياس فاضل قلة الحضور إلى “انشغال معظم الناس بأعمالهم في دمشق وعدم ملائمة الأوضاع الأمنية للسفر إلى معلولا” وفق تعبيره.
من جهتها، قدمت الأخت كرستينا من دير مار تقلا تهانيها بالعيد، مكتفية بعبارات مقتضبة تحمل في طياتها أمنية السلام، حيث قالت: “المسيح قام، يعود هذا العيد على الجميع بالصحة والبركة وقيامة مجيدة للجميع، وليُرافق نور قيامة المسيح الجميع. وليكن الناس مسرورين ويعيشوا بسلام”.
من قلب معلولا: غياب الأطفال وشعور بعدم الأمان
من داخل البلدة، وفي حديث لـ”يورونيوز”، أعرب غسان الراعي، وهو مهندس من أبناء معلولا، عن أسفه العميق لتغيّر ملامح العيد، فقال بحسرة: “نحن لم نشعر بالعيد الذي كنا نشعر به سابقاً؛ فلا أطفال ولا شموع، فهذه السنة غير موجودة”. وشدّد الراعي على أن “الأمان هو الأولوية”، حيث أوضح أنه لم يتمكن من اصطحاب أطفاله لغياب الشعور بالطمأنينة قائلا: “لا أستطيع إحضار أولادي ولا أشعر بالأمان، فأنا أفضّل الصلاة في منزلي”.
وتمنى هذا المهندس عودة البلاد إلى سابق عهدها، مشيراً إلى نسيج التعايش التاريخي في معلولا بين المسلمين والمسيحيين وحفاظهم على اللغة الآرامية دون فوارق، قبل أن يختم بالقول: “نتمنى أن تعود سوريا كما كانت، فهذه معلولا فيها مسلمون ومسيحيون، وفي بخعة وجبعدين أيضاً يتحدثون اللغة الآرامية. لم نكن نشعر بأي فارق ديني، ولكن للأسف هذه السنة كانت سيئة على جميع السوريين”.
بدورها، رصدت سامية الحداد، المسؤولة عن كنيسة القديسين سركيس وباخوس، التحول الديموغرافي والاجتماعي الذي ينخر جسد البلدة.
وقالت لـ”يورونيوز”: “العيد لم يتغير، بل الظروف المحيطة بنا هي التي تغيرت. فقد تعرضت معلولا لهجرة كبيرة ووفاة الكثير من كبار السن الذين انتقلوا إلى رحمة الله، وصارت هناك هجرة كثيرة حتى أصبحنا أقلية في معلولا” في إشارة للتوازن الديموغرافي مع بقية الطوائف.
وأضافت بصوت يملؤه الحنين: “نفتقد لحضور الشباب وكبار السن، فهم الذين كانوا يصنعون الحركة والبهجة في معلولا”، مشيرة إلى أن الفترة السابقة كانت تمتلئ بالزوار، لكن الأحداث خلال الشهرين الماضيين أدت إلى تراجع أعدادهم بشكل ملحوظ.
مغامرة وتحدّ للصورة النمطية
رغم ندرة السياح هذا العام، زار البلدة بعض الأجانب الذين تحدّوا الصورة النمطية حول الوضع في سوريا ومنهم “كونج فنك”. وقد ذكر هذا الضيف القادم من الصين، أنها زيارته الأولى إلى البلاد، وقال لـ”يورونيوز”: “أنا من الصين من منطقة كي جي، وهذه أول مرة أزور فيها سوريا. نصحني كثيرون، وخاصة زوجتي، بعدم المجيئ إلى هنا، ولكني أحب المغامرات”.
وأوضح المواطن الصيني أنه يقضي يومه الثالث في البلاد وقد أُعجب بما رأى، وقد جاء خصيصاً لمعلولا بعد سماعه أن سكانها لا يزالون ينطقون بالأرامية، قائلاً: “سمعت عن معلولا وأن سكانها يتحدثون لغة السيد المسيح، فأتيت لأسمع كيف يتحدث الناس هذه اللغة”.
وفي معلولا أيضا، التقت يورونيوز بمحمد شاكري وهو مواطن من ماليزيا، يدرس حالياً في مجمع الشيخ أحمد كفتارو الإسلامي بدمشق لتعلم الشريعة الإسلامية (جامعة بلاد الشام).
وقال شاكري لـ”يورونيوز”: “بمناسبة عيد الفصح أتينا للزيارة وللتعرف على العادات والتقاليد في هذا اليوم. معلولا بلدة جميلة تضم آثاراً تاريخية كثيرة، وهي منطقة رائعة، وهذه أول مرة أزورها وخاصة بعد التحرير، وقد تفاجأنا بالآثار الموجودة فيها”.
يُذكر أن النسيج السكاني لمعلولا قد شهد تقلصاً حادّاً في عدد المسيحيين نتيجة الهجرة المتواصلة ووفيات كبار السن، حيث بات معظم السكان يتخذون من دمشق مقراً لإقامتهم، تاركين البلدة تحيي أعيادها بحضور خجول لا يشبه أبدا ما دأبت عليه في الماضي.
معلولا: وجه الوجود المسيحي بين ذاكرة الاختطاف وتحديات ما بعد الحرب
تُعدّ معلولا، بمنازلها وكنائسها المحفورة في الصخر الوجهَ الأبرز للوجود المسيحي العريق في سوريا، إلا أن مسارّها تعرض لاهتزازات عميقة خلال سنوات الحرب الأهلية.
ويأتي احتفال هذا العام كثاني عيد للفصح تعيشه البلدة منذ سقوط نظام بشار الأسد، ليكمل مسيرة صعبة بدأت مع العيد الأول الذي جرى آنذاك في أجواء مشحونة بالخوف والزعر، فرضت فيها السلطات تشديدات أمنية استثنائية لحماية المصلين والمحتفلين من أي مخاطر محتملة.
وترتبط ذاكرة البلدة الدينية بحادثة مؤلمة لا تزال حاضرة في وجدان السكان، وهي ما وقع في عام 2013 حينما أقدمت عناصر من “جبهة النصرة” (سابقاً) المعروفة الآن باسم هيئة تحرير الشام على اختطاف 13 راهبة من دير مار تقلا الشهير.
وقد استمرت تلك الأزمة لشهور طويلة وسط مفاوضات معقدة تولّت الوساطة فيها دولتا قطر وألمانيا، قبل أن تنتهي الحادثة في شهر آذار /مارس 2014 بالإفراج عن جميع المختطفات.
ورغم مرور سنوات على تلك الواقعة وعلى سقوط النظام السابق، فإن التحديات الأمنية والاجتماعية لا تزال تلقي بظلالها على حياة المجتمع المحلي، مما يحوّل كل مناسبة دينية إلى اختبار جديد لصمودهم وهويّتهم.

