بقلم: يورونيوز
نشرت في
أيدت محكمة الاستئناف في تونس العاصمة، الحكم الابتدائي الصادر بسجن زعيم حركة “النهضة” ورئيس البرلمان السابق، راشد الغنوشي، لمدة 22 عاماً في قضية شركة “أنستالينغو”.
وتعود جذور القضية إلى شركة “أنستالينغو”، العاملة في صناعة المحتوى والاتصال الرقمي بمدينة القلعة الكبرى في محافظة سوسة (شرق)، حيث داهمت السلطات مقرها في 10 سبتمبر/أيلول 2021 إثر اشتباه بتورطها في الاعتداء على أمن الدولة، وتبييض الأموال، والإساءة للآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت في 5 فبراير/شباط 2025 أحكاماً تراوحت بين 5 و54 عاماً بحق 41 سياسياً وصحافياً ومدونين ورجال أعمال، بينهم الغنوشي البالغ من العمر 84 عاماً، وذلك في إطار القضية نفسها.
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن مصدر قضائي لم تسمه، فقد أيدت محكمة الاستئناف جميع الأحكام بحق المتهمين، باستثناء الصحفية المتهمة شذى بلحاج مبارك، التي خُفض حكمها من 5 أعوام إلى عامين، مع تأجيل تنفيذ العقوبة، وهو ما يعني إطلاق سراحها شريطة عدم ارتكابها أي جريمة جديدة خلال المدة المحددة.
وتعاني شذى بلحاج مبارك من مشكلات صحية ونقص في السمع، وأكدت فحوصات طبية أجريت لها أثناء توقيفها وجود أورام في البطن والصدر، فيما قالت والدتها عقب الإفراج عنها: “سنمضي إلى التعقيب قصد إعلان البراءة حتى تنال شذى حريتها”.
وتجدر الإشارة إلى أن أحكام محكمة الاستئناف ليست نهائية، إذ يحق للمتهمين الطعن بها أمام محكمة التعقيب، إلا أن ذلك لا يوقف تنفيذ العقوبة.
وينفي جميع المتهمين صحة التهم الموجهة إليهم، والتي تشمل: التآمر على أمن الدولة، والعمل على تغيير هيئتها، وتحريض التونسيين على مواجهة بعضهم بالسلاح، وإثارة أعمال القتل والسلب، و”إتيان أمر موحش تجاه رئيس الجمهورية” أي القيام بفعل عدائي أو مساس مباشر بمقام الرئيس.
ويؤكد المسؤولون أن المتهمين يُحاكمون بتهم جنائية وأن السلطات لا تتدخل في عمل القضاء، بينما ترى المعارضة أن هذه المحاكمات تحمل طابعاً سياسياً وتُستخدم لملاحقة المعارضين لإجراءات الرئيس قيس سعيد الاستثنائية.
وكان الرئيس سعيد قد بدأ في 25 يوليو/تموز 2021 تطبيق ما أسماه بـ “إجراءات استثنائية” والتي شملت حل مجلس النواب، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.
وتصف بعض القوى التونسية هذه الإجراءات بأنها “انقلاب على الدستور وترسيخ لحكم فردي مطلق”، فيما تعتبرها قوى أخرى “تصحيحاً لمسار ثورة 2011″، التي أطاحت بزين العابدين بن علي.
ويؤكد الرئيس سعيد أن إجراءاته تأتي “في إطار الدستور لحماية الدولة من خطر داهم” مع التشديد على عدم المساس بالحريات والحقوق.
الحقوق والحريات بعد 25 يوليو 2021
في ذكرى ثورة 14 يناير، التي أنهت حكم زين العابدين بن علي الاستبدادي بعد 23 عامًا من السلطة وأطلقت ثورة شعبية استمرت 28 يومًا وأدت إلى انطلاق موجة الربيع العربي، أعربت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن “قلقها الشديد إزاء ما تشهده البلاد من تراجع ممنهج عن مكاسب الثورة”، مشيرة إلى تدهور الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
واعتبرت أن “الزج بالمعارضين السياسيين والناشطين والصحفيين والمدونين في السجون على خلفية آرائهم السلمية يمثل انتكاسة خطيرة لمبدأ حرية التعبير ويعيد البلاد إلى أجواء القمع والاستبداد”.
وفي تصريحات سابقة ليورونيوز، أكد الناشط السياسي نضال الخضراوي أن تونس منذ الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021 شهدت تراجعًا في الحريات مع موجة اعتقالات لمسؤولين ونشطاء من مختلف التيارات السياسية.
وأضاف أن المرسوم 54، الذي قُدّم رسميًا باعتباره أداة لمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، استُخدم لتجريم حرية التعبير وتقييد العمل الإنساني، مع تضييق على التظاهر وتصاعد خطاب شعبوي يغذي الانقسام الطبقي ويحوّل النقاش العمومي إلى صراع أفقي بين الفئات.
كما أشار إلى تراجع مكانة تونس دبلوماسيًا وغياب اختراقات اقتصادية أدت إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، محذرًا من الانزلاق نحو نموذج سلطوي يهدد مؤسسات الدولة ومكتسبات الثورة.
وفي المقابل، يرى المحلل صهيب المزريقي أن تنظيم الحريات بعد 25 يوليو أصبح محور النقاش السياسي والاجتماعي، في إطار سعي السلطة لموازنة الحقوق الفردية والجماعية مع متطلبات الأمن واستقرار الدولة.
وأوضح أن هذا التنظيم يشمل حرية التعبير والإعلام وحق التظاهر ضمن شروط قانونية صارمة، مع تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الضعيفة، مؤكدًا أن نجاح المسار مرتبط بحسن التطبيق واحترام دولة القانون، لتجنب تحويل التنظيم إلى أداة لتقييد الحقوق.

