بينما تتواصل الغارات على جنوب لبنان وتتصاعد وتيرة الاشتباكات في مدينة بنت جبيل بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله، تنعقد في واشنطن الثلاثاء مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب، بوساطة أميركية. ويمثّل البلدين السفيرُ يحيئيل ليترعن الدولة العبرية والسفيرة ندى معوض عن لبنان إضافة إلى حضور السفير الأمريكي ميشال عيسى، ووزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو، وفقًا لبعض المصادر.
اعلان
اعلان
ويأتي هذا اللقاء كجزء من مسعى دبلوماسي لبناني رسمي للتفاوض على وقف إطلاق النار، وذلك بعد أن قطعت بيروت الطريق على طهران، رافضةً أن تتفاوض باسمها أو أن تُدرجها ضمن اتفاقية الهدنة التي وقعتها مع واشنطن.
ورغم تنديد حزب الله، الذي يستمر بالقتال، بالتواصل المباشر مع إسرائيل، وعدم تفويضه الحكومة اللبنانية بالتفاوض نيابة عنه، إلا أن بيروت قررت فصل مسارها الرسمي عن الحزب، مع التوجه نحو انفتاح تدريجي على تل أبيب، وهو مسار بدأت ملامحه بالظهور قبل اندلاع المواجهة الحالية.
مؤشرات سابقة للانفتاح على إسرائيل
في ديسمبر الماضي، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة لافتة حين عيّنت سفيرها السابق في واشنطن سيمون كرم ممثلًا مدنيًا في اللجنة العسكرية المشرفة على وقف إطلاق النار مع إسرائيل، والمعروفة باسم “الميكانيزم”.
وخلال إحدى اجتماعات هذه اللجنة، جلس كرم إلى طاولة واحدة مع أمين سرّ المجلس القومي الإسرائيلي يوري ريسنك، في سابقة اعتبرتها أطرافٌ في الداخل اللبناني إيذانًا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وفي أكثر من مناسبة، عبّر رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام عن استعدادهما لخيار التفاوض المباشر مع الدولة العبرية. وقد برز ذلك بشكل أوضح في 30 مارس الماضي، حين قال سلام في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأمريكية إن لبنان مستعد للدخول في مفاوضات تهدف إلى إنهاء النزاع وطلب المساعدة من الرئيس دونالد ترامب، مضيفًا: “أؤكد استعدادنا للدخول في مفاوضات فورية” مع الجانب الإسرائيلي، وفق تعبيره.
إشكاليات التفاوض
وفيما تقول الحكومة اللبنانية إنها ذاهبة للتفاوض على وقف إطلاق النار، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، في زيارة إلى جنوب لبنان بأن “الحرب مستمرة، بما في ذلك داخل المنطقة الأمنية”.
وفي كلمة أخرى له، شدد نتنياهو على أن تل أبيب “تريد التوصل لنزع سلاح حزب الله، واتفاق سلام مع لبنان يصمد لأجيال”.
كما نقلت صحيفة “هآرتس” عن مصادر أن سفير إسرائيل في واشنطن لديه تعليمات بعدم قبول وقف إطلاق النار في مفاوضات لبنان وأن نتنياهو يرى في المفاوضات مع لبنان فرصة لكسب الوقت و”إظهار حسن نية” لترامب، دون وقف الحرب.
لذلك، لا يزال من غير الواضح بعد، كيف ستحقق الدولة اللبنانية الهدنة المنشودة، وكيف ستتم ترجمة منجزات اجتماعاتها مع الطرف الإسرائيلي إن وُجدت. وكيف ستفرض بيروت تلك المنجزات على حزب الله الذي لم يمنحها أي تفويض يخوّلها اتخاذ قرارات قد لا تستطيع تطبيقها على أرض الواقع. إذ أن عملية نزع سلاح التنظيم معقّدة، وقد سبق أن أوضح الجيش اللبناني أنها قد تضر بالسلم الأهلي.
وفي ظل هذا التناقض الحاد بين مسار السلطة اللبنانية نحو المفاوضات، وإصرار نتنياهو على مواصلة الحرب وإنشاء منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات، تبرز أسئلة كبرى، منها: كيف يمكن للحكومة أن تفي بوعدها لأهالي الجنوب باستعادة أراضيهم في ظل هذا التصميم الإسرائيلي على اقتطاع المنطقة العازلة من الأراضي اللبنانية؟
89% من اللبنانيين يرفضون التطبيع
رغم الإشارة مرارًا إلى الحديث عن “سلام” مع إسرائيل في الخطاب الرسمي اللبناني، فقد كان لافتًا أن الرئيسيْن عون وسلام يتجنّبان حتى الآن تسمية ما يجري بـ”تطبيع العلاقات” بشكل صريح، وهي خطوة تُقرأ في الأوساط السياسية والإعلامية على أنها مراعاة للحساسيات داخل الشارع اللبناني. إذ تُظهر إحصاءات حديثة أن الغالبية العظمى من هذا الشارع لا تزال رافضة لهذا المسار. فقد أظهر “المؤشر العربي” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن 89% من اللبنانيين يرفضون التطبيع مع إسرائيل.
الاحتجاجات الداخلية وموقف الجيش والأحزاب
وقد تُرجم هذا الرفض الشعبي الواسع إلى حراك ملموس في الشارع اللبناني، عَكَسَ حالة استقطاب سياسي ومجتمعي متصاعدة تُنذر بمزيد من التوتر إذا استمر المسار الحالي دون توافق داخلي.
فقد تظاهرت خلال يومين متتاليين أمام السراي الحكومي في بيروت مجموعاتٌ تنتمي إلى أطراف سياسية متباينة، من بينها حزب الله وحركة أمل (التي تمثل شريحة واسعة من الطائفة الشيعية)، إضافة إلى تيار المستقبل (الممثل السياسي الأبرز للطائفة السنية). وقد رُفعت شعاراتٌ رافضة لمسار التفاوض مع إسرائيل ومندّدة بما اعتبرته “اتجاهًا نحو التطبيع”.
ويعكس هذا المشهد تقاطعًا غير معتاد بين قوى سياسية متناقضة في مرجعياتها وخطاباتها، لكنها التقت على رفض القرار الحكومي، ما أبرز حجم الاستقطاب الذي يضغط على الدولة بين مسارها الرسمي من جهة، واعتراضات داخلية تتجاوز الانقسام التقليدي من جهة أخرى.
في المقابل، تدخّل الجيش اللبناني داعيًا إلى التهدئة والتراجع “حفاظًا على السلم الأهلي”، في محاولة لمنع تمدد الاحتجاجات إلى مواجهة أوسع قد تهدد الاستقرار الداخلي.
كما سارعت قيادات الأحزاب المعنية إلى التوضيح في بيانات منفصلة أنها لم تصدر أي دعوة رسمية للتحرك، وأن ما جرى كان تحركًا عفويًا وغير منظم، في مسعى لاحتواء التوتر وتفادي تحميلها مسؤولية التصعيد، في وقت تتزايد فيه حساسية المشهد السياسي وتداخل خطوطه.
تاريخ التفاهمات بين لبنان وإسرائيل
مرّت العلاقة بين لبنان وإسرائيل بعدة محطات تفاوضية منذ عام 1949، تنوعت بين اتفاقيات رسمية ملزمة وتفاهمات أمنية محدودة ومؤتمرات دولية عابرة.
ففي عام 1949، وقّع بلد الأرز اتفاق الهدنة مع الدولة العبرية الوليدة وقتها، وهو إطار تفاوضي مباشر—وكان الوحيد من نوعه حينها—لكنه بقي مجرد اتفاق على وقف الأعمال عدائية، ولم يتحول إلى سلام سياسي دائم أو تطبيع شامل في أي مرحلة لاحقة.
بعد ذلك، جاء اتفاق 17 أيار عام 1983، الذي وقعه الرئيس اللبناني آنذاك أمين الجميل برعاية أمريكية مباشرة، لكن الاتفاق انهار سريعًا بعد أقل من عام على توقيعه. ثم جاء تفاهم نيسان عام 1996، الذي تم عبر وساطة فرنسية-أمريكية لوقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، لكن هذا التفاهم لم يكن تفاوضًا مباشرًا بين البلديْن بقدر ما كان ترتيبًا أمنيًا تقنيًا تحت رعاية دولية.
كذلك كانت محادثاتُ مدريد عام 1991. حيث شارك فيها لبنان كجزء من مسار متعدد الأطراف إلى جانب سوريا والأردن والفلسطينيين، لكن هذه المحادثات ظلت غير مباشرة ولم ترق لمستوى مفاوضات ثنائية مباشرة ومستمرة بين بيروت وتل أبيب.
السمة المشتركة للمسارات السابقة: الوساطة وعدم الاستقرار
غير أن جميع هذه المحطات التفاوضية السابقة اتسمت بكونها مسارات غير مستقرة أو غير مكتملة أو هشة وسريعة الانهيار. وقد أدارتها غالبًا وساطاتٌ دولية (أمريكية أو فرنسية أو أممية) أو لقاءاتٌ غير مباشرة عبر وسطاء، وذلك على عكس ما يجري اليوم.
المخاوف من حرب أهلية واستحضار اغتيال بشير الجميل
ويرى مراقبون لبنانيون ودوليون أن التوجّه االرسمي في بيروت نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل قد يحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي، تصل في أسوأ سيناريوهاتها إلى حدّ إشعال حرب أهلية جديدة في البلاد. هذه المخاوف، ليست وليدة اللحظة ولا مبالغًا فيها، بل هي مبنية على أساس تجارب تاريخية مؤلمة لا تزال حاضرة في الذاكرة اللبنانية الجماعية.
وأبرز هذه التجارب هو اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل عام 1982. ففي 14 سبتمبر من تلك السنة، قُتل قائد القوات اللبنانية بشير الجميل، الذي كانت تربطه علاقة وثيقة ومعروفة بإسرائيل، قبل أيام فقط من توليه رسميا منصب رئاسة الجمهورية.
ووقع الاغتيال في مقر حزب الكتائب المركزي في منطقة الأشرفية ببيروت الشرقية، خلال اجتماع وداعي مع زملائه ومستشاريه، على يد حبيب الشرتوني، الذي كان ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.
وقد عُدّ هذا الاغتيال، في سياق تلك المرحلة، حدثًا ذا دلالات سياسية وأمنية عميقة، عَكَسَ حجم الاستقطاب الحاد حول العلاقة مع إسرائيل في تلك الفترة، وأَبْرَزَ فكرة “الثمن السياسي والأمني” الذي كان يمكن أن يترتب على أي توجه لبناني نحو الانفتاح أو التقارب مع تل أبيب، في ظل مناخ داخلي وإقليمي شديد التوتر والانقسام.
اتفاق 17 أيار وعواقبه الداخلية
بعد اغتيال بشير الجميل، تسلّم الرئاسةَ شقيقُه الأكبر أمين الجميل فيما كان البلد يعيش أجواء من الصدمة والانقسام، فأقدم على توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983، في ظل ظروف تاريخية بالغة الصعوبة مر بها لبنان وأولها الحرب الأهلية. كما كان العام السابق (1982) قد شهد الاجتياح الإسرائيلي الواسع، وما رافقه من أحداث مروّعة بحق اللبنانيين والفلسطينيين، وأبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا.
وخلّف توقيع اتفاق 17 أيار انعكاسات حادة وعنيفة على الداخل اللبناني، أبرزُها كان اندلاع اقتتال داخلي بين مؤيدي الاتفاق (الذين رأوا فيه سبيلًا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعادة السيادة) ومعارضيه (الذين اعتبروه تفريطًا بالسيادة وتطبيعًا مخزيًا مع العدو) وفق رأيهم. وانقسم المشهد السياسي اللبناني: من جهة، الحكومة والرئيس أمين الجميل المتمسكيْن بالاتفاق رغم كل شيء، ومن جهة أخرى، جبهةُ الإنقاذ الوطني المدعومة من سوريا والرافضة بشدة للاتفاق.
في تلك الفترة، ومع تصاعد وتيرة استهداف القوات الأجنبية داخل لبنان، ولا سيما بعد مقتل عدد كبير من جنود المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين في تفجيرات استهدفت مقراتهم في بيروت (تفجير ثكنات المارينز في 23 أكتوبر 1983)، اتجه الرئيس أمين الجميل إلى اتخاذ قرار تاريخي بإلغاء اتفاق 17 أيار مع إسرائيل. وقد كان ذلك في 5 مارس 1984، تحت وطأة ضغوط داخلية وإقليمية هائلة جعلت استمرار الاتفاق مستحيلًا.
مرحلة حساسة
وعليه، فإن لبنان الذي لم يُكتب لأي من مسارات تفاوضه المباشر مع إسرائيل أن يصل إلى “نهاية سعيدة”، يجد نفسه اليوم في مرحلة شديدة الحساسية، حيث تقف حكومته على حبل مشدود تتجاذبه ضغوطُ واشنطن وتل أبيب من جهة، ومن جهة أخرى هناك جزء من الشارع المتوتّر أصلا يرفض أي خطوة من هذا النوع.
ورغم خطورة اللحظة، فإن البعض يفسّر الإصرار اللبناني على هذا المسار بأنه لا ينبع فقط من حسابات دبلوماسية أو إقليمية، بل أيضًا من خشية أن يتعزز موقع حزب الله في الداخل، إذا ما خرجت إيران بأقل الخسائر في هذه الحرب. فالمضي قدمًا نحو التفاوض، وإن كان محفوفًا بالمخاطر، يُعتبر في هذا السياق محاولة لاستباق أي تحوّل إقليمي قد يعيد ترتيب البيت الداخلي في لبنان لصالح التنظيم المسلّح الموالي لإيران.
لكن السؤال اليوم لا ينحصر في كيفية مقاربة ملف سلاح حزب الله أو التعامل مع نفوذه السياسي والعسكري، بل يتعداه إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تتفادى انزلاقًا داخليًا قد تكون كُلفته أعلى بكثير من أي اتفاق لوقف إطلاق النار؟

