يقوم البابا ليونه الرابع عشر هذا السبت بزيارة سان مارينو ومدينة ريميني، حاملا هدف إعادة توجيه رسالته عن السلام والتعايش إلى العالم من هذا الجيب الإيطالي، حيث يعود بابا إلى الجمهورية بعد أكثر من 15 عاما، وكذلك من الملتقى السنوي لحركة “شركة وتحرير” في المدينة الرومانيولا، إحدى أهم الفعاليات بالنسبة للعالم الكاثوليكي في إيطاليا.
اعلان
اعلان
“يمكن لجمهورية سان مارينو أن تكون مختبرا للسياسة الجيدة، حيث يمكن، من دون الإخلال بعلمانية الدولة، الاستفادة من مبادئ العقيدة الاجتماعية الكاثوليكية: السعي إلى الخير العام، وتخصيص الخيرات على نحو يشمل الجميع، والتناغم بين مبدأي التساند والتضامن، والعدالة الاجتماعية”، قال البابا مخاطبا السلطات في قاعة المجلس الكبير والعام.
يبلغ عدد سكان سان مارينو اليوم نحو 35.000 نسمة وتُصنَّف على أنها من أقدم الجمهوريات في العالم، إذ تعود بداياتها إلى القرن الرابع الميلادي، بينما يعود العمل بالنظام القانوني الحالي فيها إلى عام 1243.
وقد استعان الحبر الأعظم بالإشارة إلى الخط التاريخي التقليدي لـقادة الدولة الملقبين “الكابتنين الريجنتين”، أعلى سلطة في ثالث أصغر دولة في أوروبا ليجدد في كلمته الدعوة إلى “بناء السلام” وإلى “تقدير الدبلوماسية ومتعددة الأطراف”، وإبراز معارضته لـ”منطق القوة في زمننا” الذي “يدوس” القانون الإنساني الدولي.
كل هذه المفاهيم يدافع عنها ليونه الرابع عشر بإصرار منذ انتخابه قبل ما يزيد قليلا على عام واحد، وقد عبّر عنها أيضا للمؤمنين الذين تجمعوا في ساحة الحرية المركزية.
وقال ليونه الرابع عشر وهو يطل من شرفة القصر العام، مقر الحكومة في سان مارينو: “أنا سعيد جدا لوجودي هنا معكم، ولتحيتكم، وللاستمتاع بجمال وتاريخ وتقاليد وإيمان هذا الشعب في سان مارينو. كونوا دائما متحدين في هذا الروح المرحِّب”.
وذكّرت صور البابا على الشرفة بيوم 29 آب/أغسطس 1982، حين زار يوحنا بولس الثاني سان مارينو، في أول زيارة لرأس الكنيسة الكاثوليكية إلى الجمهورية. أما خلفه بندكت السادس عشر فقد قام عام 2011 برحلة راعوية شملت سان مارينو ومجتمعات إيطالية أخرى ضمن الأبرشية نفسها.
ومن اللافت أنه بعد ما يقرب من 500 عام بين زيارات البابوات، زار ليونه الرابع عشر في شهر آذار/مارس الماضي إمارة موناكو، وهي دولة أوروبية صغيرة أخرى لا تتجاوز مساحتها نحو كيلومترين مربعين، وتحتل المرتبة الثانية من حيث صغر المساحة بعد مدينة الفاتيكان نفسها، التي لا تزيد مساحتها على نصف كيلومتر مربع في قلب روما.
ماذا قال ليونه الرابع عشر في سان مارينو
بعد هبوط المروحية قرابة الساعة التاسعة صباحا في هذه الدولة-المدينة الصغيرة على جبل تيتانو، تلقى البابا التحية العسكرية وأجرى لقاء خاصا مع الكابتنين الريجنتين، قبل إلقاء الخطاب في قاعة مجلس الاثني عشر ومنح البركة للمؤمنين من الشرفة.
وقال البابا في خطابه في سان مارينو: “تتحقق الحرية في اللقاء والحوار”، مؤكدا أن العالم يجد نفسه في كثير من الأحيان في مواجهة “مشاريع سياسية واقتصادية تُطرح باسم الحرية، لكنها في الواقع عبيد للأصنام وللسلطة”.
وأضاف ليونه الرابع عشر أن التزام سان مارينو بالخير العام والعدالة الاجتماعية “يبدو اليوم أثمن أكثر، في اللحظة التي يستعد فيها اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ليصبح نافذا” وستدخل جمهوريتكم في علاقة دائمة، وإن كانت خاصة، مع واقع معقد يمكن أن يستفيد كثيرا من مساهمتكم.
“قداستكم، إن حضوركم يهبط على تاريخنا العريق كعلامة نور، مجددا الروابط العميقة التي وحّدت عبر الزمن بين الكرسي الرسولي وجمهوريتنا”، قال أليس مينا وفلاديميرو سيلفا، الكابتنان الريجنتان.
دلالة مشاركة الحبر الأعظم في ملتقى ريميني
الكرامة والحرية ورعاية الآخر: الكلمات التي ترددت في سان مارينو، على بعد 25 كيلومترا فقط من ريميني، ستتردد أيضا في كلمة ليونه الرابع عشر خلال مشاركته في ملتقى ريميني، وهو لقاء من أجل الصداقة بين الشعوب يُنظَّم منذ عام 1980. (المصدر باللغة الإيطالية)
وتُعد مشاركة البابا في الدورة الـ47 للّقاء الذي تنظمه حركة “شركة وتحرير” (المصدر باللغة الإيطالية)، وهي حركة علمانية ذات إلهام كاثوليكي أسسها الأب لويجي جوسانِّي، حدثا تاريخيا هو الآخر؛ إذ كان آخر من حضر هذا الملتقى البابا يوحنا بولس الثاني عام 1982، ليُعاد المسار بين سان مارينو وريميني بعد 44 عاما على يد ليونه الرابع عشر.
ومنذ صباح السبت اصطف آلاف الأشخاص أمام بوابات مركز المعارض في المدينة حيث يُقام الحدث. وستُلبَّى القدرة الاستيعابية البالغة 20.000 مقعد عبر شاشات عملاقة نُصبت لأولئك الذين لن يجدوا مكانا في القاعة. وقد بلغ عدد الحضور المسجَّل في الحدث العام الماضي 800.000 شخص.
وقد طُبعت جلسة الافتتاح يوم الجمعة بـالرسالة التي بعث بها سيرجيو ماتاريلا، وهو غالبا ما يكون متناغما مع نداءات البابوات.
وكتب رئيس الجمهورية في رسالته: “نحن نعيش زمنا تُشنّ فيه حروب طائشة بينما تراكم أقلية ضيقة جدا من الأوليغارشيات سلطات تفوق تلك التي تملكها كثير من الدول ذات السيادة”، مضيفا أن “التضامن والصداقة الاجتماعية ومجانية المحبة يمكن أن تفتح آفاقا غير مسبوقة أمام السياسة والاقتصاد والحياة المدنية”.
ما هو برنامج البابا يوم السبت في سان مارينو وريميني
بعد لقائه مع السلطات المدنية، توجه ليونه الرابع عشر إلى بازيليك سان مارينو، لقضاء لحظة صلاة وللتبرك من ذخائر القديس الحامي للجمهورية.
وقال البابا في كلمته أمام السلطات الكنسية في الأبرشية: “نحن نعيش في عالم مجروح بكثير من النزاعات، حيث نرى بقلق تصاعد أعمال العنف والانغلاق والخوف من الآخر. وأمام هذه الانحرافات المثيرة للقلق، لا يمكن أن تكون استجابتنا إلا أن نسير بقناعة أكبر على درب الإنجيل”، وذلك قبل أن يتوجه إلى الغداء في دير سانت أنطونيو في بينابيللي الذي تديره راهبات من الرهبنة الأوغسطينية، وهي نفسها رهبنة البابا بريفوست.
ومن هناك، يواصل ليونه الرابع عشر بعد الظهر الجزء الثاني من رحلته إلى ريميني، للمشاركة في ملتقى حركة “شركة وتحرير”، حيث يلقي كلمة نحو الساعة الرابعة عصرا في القاعة الكبرى للملتقى، ويحتفل بقداس علني في منطقة الميناء قبل عودته إلى الفاتيكان مساء.

