وتأتي هذه الحرائق في وقت حذر فيه المركز الأميركي للتنبؤ بالمناخ من أن ظاهرة “النينيو” ستزداد قوة حتى نهاية العام، مع احتمال بنسبة 81 بالمئة لحدوث ظاهرة شديدة القوة قد تصنف ضمن الأكبر تاريخيا منذ عام 1950، مما يعزز المخاوف من صيف مناخي شديد القسوة على مستوى العالم.
مساحات قياسية تلتهمها النيران في أوروبا
أدت موجات الحر الشديد المتلاحقة إلى التهامات واسعة للنباتات والأراضي في أوروبا تفوق المتوسط السنوي للعقدين الماضيين.
ففي فرنسا أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون طلب مساعدة رسمية من الاتحاد الأوروبي للتعامل مع حرائق الغابات المستعرة، لا سيما في منطقة جيروند بجنوب غرب البلاد، حيث جرى إخلاء أكثر من 10 آلاف شخص بعدما التهمت النيران نحو 6 آلاف فدان.
وأكد ماكرون العزم على الاستعانة بتعزيزات تشمل طائرات ومروحيات إطفاء من كرواتيا والبرتغال والتشيك وسلوفاكيا.
وفي إقليم فار (جنوب شرق)، أدى حريق آخر إلى إجلاء 400 شخص وتضرر عشرات المنازل قبل أن تسهم درجات الحرارة الأقل وتراجع الرياح في دعم جهود السيطرة عليه.
أما في إسبانيا فقد رصدت السلطات انحسارا جزئيا في أسوأ حريق غابات تشهده البلاد هذا العام بمنطقة وادي الحجارة (غوادالاخارا)، والذي أتى على نحو 32 ألف هكتار وتسبب في إخلاء 34 بلدية.
لكن وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية حذرت من أن خطر الحرائق لا يزال عند مستويات “عالية جدا أو قصوى” في معظم أنحاء البلاد.
وأشار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى أن بلاده سجلت 22 حريقا كبيرا هذا العام، التهمت مساحة تتجاوز 100 ألف هكتار.
السيطرة على معظم حرائق الجزائر
وفي شمال إفريقيا، أعلن وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود التحكم في جميع الحرائق التي كانت تشكل خطرا على السكان والممتلكات، مؤكدا أن الوضع الميداني شهد “تحسنا ملحوظا” ولم تتعدَّ المسألة بؤراً محدودة جاري التعامل معها.
وأوضح سعيود أن الجزائر سجلت مؤخرا أكثر من 160 حريقا امتدت عبر عدة ولايات، وجرى الحفاظ على السلامة العامة بفضل تجنيد أسطول جوي يضم نحو 18 طائرة ومروحية تابعة للجيش والحماية المدنية. كما تقرر تشكيل لجان خاصة لإحصاء الأضرار تمهيدا لتعويض المتضررين.
واندلعت الحرائق، مساء الثلاثاء، في منطقة “سيرايدي” بولاية عنابة. وتشهد الجهة الساحلية منذ أسابيع مئات الحرائق بحسب الحماية المدنية الجزائرية، التي قالت في بيان إنها ما زالت تعمل على إخماد حريق سيرايدي، وأن المستشفى المحلي أخلي “احترازيا”.
ونقلت أجهزة الإسعاف الجزائرية أكثر من 100 شخص إلى المستشفى في شمال شرقي البلاد، بحسب ما أعلنت السلطات التي تحدثت عن تضرر 150 بيتا، أجلي سكانها بسبب الحرائق.
وكانت وزارة الداخلية الجزائرية أعلنت، تسجيل 6 وفيات منذ بدء موجة الحرائق التي تجتاح مناطق عدة في الجزائر. وسجلت الحماية المدنية نحو 1550 حريقا خلال الأيام الـ12 الماضية.
تونس: مئات الحرائق وأزمة كهرباء
وفي جارتها تونس، تصاعدت أزمة المناخ مع تسجيل موجة واسعة من حرائق الغابات والأعشاب والمحاصيل الزراعية، أذكتها الرياح الجافة ودرجات حرارة استثنائية تجاوزت 45 درجة مئوية في معظم المناطق.
وأعلنت الحماية المدنية التونسية تسجيل نحو 600 حريق خلال 48 ساعة فقط، في وقت واصلت فيه الفرق جهود الإخماد والإنقاذ لمنع امتداد النيران إلى المناطق السكنية.
وبحسب المرصد التونسي للطقس والمناخ، سجلت مدينة القيروان 49.6 درجة مئوية يوم الثلاثاء، لتصبح ثاني أكثر مدن العالم حرارة في ذلك اليوم.
وعلى جانب آخر، دفعت الحرارة القياسية الطلب على الطاقة لمستويات غير مسبوقة بلغت نحو 6000 ميغاوات جراء الاستخدام المكثف لمكيفات الهواء. ولتجنب انهيار شامل لشبكة الكهرباء المتهالكة، لجأت السلطات إلى القطع الدوري للتيار في غالبية المناطق، مما أثار موجة استياء واسعة وتسبب في خسائر للمؤسسات التجارية والمصانع.
ظاهرة “النينيو”
وتتزامن هذه الحرائق، مع إعلان المركز الأميركي للتنبؤ بالمناخ أن ظاهرة النينيو ستزداد قوة حتى نهاية العام، مع احتمال بنسبة 97 بالمئة أن تستمر حتى أوائل ربيع 2027.
وأضاف المركز “هناك احتمال بنسبة 81 بالمئة لحدوث ظاهرة نينيو شديدة القوة خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، والتي ستصنف ضمن أكبر ظواهر النينيو المسجلة تاريخيا منذ 1950”.
كما أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ظروف ظاهرة النينيو قد حدثت في المحيط الهادئ المداري، ومن المتوقع أن تزيد قوتها بسرعة خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يزيد من احتمال حدوث موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والظواهر الجوية المتطرفة الأخرى في أجزاء كثيرة من العالم.
ويشير التحديث الشهري بشأن المناخ الموسمي العالمي الذي تصدره المنظمة إلى التطور السريع لظاهرة النينيو وتحولها إلى ظاهرة قوية خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026.
أما تنبؤات المجموعات المتعددة النماذج، الصادرة عن المراكز العالمية الرئيسية لإنتاج التنبؤات، فإنها تشير إلى ارتفاع مستمر وكبير في درجات حرارة المحيط في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، مع توقعات بأن تتجاوز الشذوذات في المتوسط الموسمي لدرجات حرارة سطح البحر درجتين مئويتين في المناطق الرئيسية الخاضعة للرصد.

