كشف موقع “واللا” العبري تفاصيل عمليات تنفذها فصيلة S-2 التابعة لوحدة الهندسة الخاصة “يهلوم” في الجيش الإسرائيلي، والمكلفة بتعقب أنفاق حزب الله في جنوب لبنان والانفاق في قطاع غزة، وذلك في مقابلة مع قائد الفصيلة، المقدم د.، الذي استعرض طبيعة عمل الوحدة، وآليات اكتشاف الأنفاق ورسم خرائطها واقتحامها وتدميرها، إضافة إلى تقييمه لشبكة الأنفاق التي بناها حزب الله والتحديات التي تواجه القوات الإسرائيلية خلال هذه العمليات.
اعلان
اعلان
من وحدة هندسية إلى “مختبر لحرب الأنفاق”
يقول قائد الفصيلة إن مهمة الوحدة شهدت تحولًا جذريًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ لم تعد تقتصر على التعامل مع المتفجرات والعبوات الناسفة، بل أصبحت تركز على تعقب الأنفاق الاستراتيجية وتحديد مواقعها ورسم خرائطها واقتحامها وتأمينها وصولًا إلى تدميرها في قطاع غزة وجنوب لبنان.
ويضيف أن أفراد S-2 تحولوا، خلال الحرب، إلى ما سماه “مختبرًا حيًا لحرب الأنفاق” بعد تطوير لغة عملياتية خاصة وإنشاء مراكز خبرة لدراسة شبكات الأنفاق وتحليلها، معتبرًا أن الوحدة تقود اليوم، بحسب وصفه، المفهوم العملياتي الإسرائيلي للقتال تحت الأرض.
العثور على الأنفاق
وبحسب قائد الفصيلة، فإن العثور على أي نفق يمر بسلسلة طويلة من العمل الاستخباراتي والتحليل الميداني، إذ قد تحدد المعلومات الاستخباراتية منطقة عامة فقط، ما يستدعي تنفيذ عمليات بحث ميداني، والاستعانة بالطائرات المسيّرة، ودوريات الاستطلاع، ومطابقة معطيات متعددة، بينها تاريخ المنطقة وتحركات العناصر وأي مؤشرات غير اعتيادية.
ويصف هذه العملية بأنها “عمل شاق ودقيق للغاية”، مؤكدًا أن كل نفق يمثل لغزًا مستقلًا، وأن التكنولوجيا المستخدمة اليوم تختلف كليًا عن تلك التي كانت متاحة قبل سنوات، بعدما انتقلت الوحدة من الاعتماد على الخرائط التقليدية إلى استخدام أدوات وقدرات متطورة توفرها مستويات عسكرية مختلفة.
خمسة أيام بحث قبل العثور على النفق
ويشير قائد الفصيلة إلى أن أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة إلى الجنود هي لحظة العثور على النفق بعد أيام من البحث، مستشهدًا بأحد الأنفاق في بلدة مجدل زون بجنوب لبنان، حيث استغرقت عملية العثور عليه خمسة أيام.
ويقول: “عندما تصل إلى تلك اللحظة، لحظة العثور على النفق، لحظة النجاح وحل اللغز، يكون الشعور كالعروس في يوم زفافها… عندما وصلنا إلى النفق في مجدل زون صرخنا جميعًا فرحًا بعدما بحثنا عنه خمسة أيام.”
ويؤكد أن اكتشاف النفق لا يمثل نهاية المهمة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا تشمل اقتحامه وتأمينه والتعامل مع العوائق داخله قبل تدميره بالكامل.
نفق “استراتيجي” وأبواب تزن أطنانًا
ويستعرض قائد الفصيلة أحد الأنفاق التي تعاملت معها قواته في جنوب لبنان، واصفًا إياه بأنه “نفق مهم، ومجنون وإيراني”، موضحًا أن ارتفاعه بلغ ثلاثة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار ونصف، وأن الدخول إليه لم يكن عبر مداخله الأصلية، إما بسبب احتمال تفخيخها أو تدميرها خلال الغارات الجوية، ما استدعى إيجاد مسارات بديلة للوصول إلى داخله.
ويضيف أن القوات واجهت داخل النفق كميات كبيرة من الفولاذ المنهار نتيجة غارة إسرائيلية سابقة، قبل أن تضطر إلى إزالة أربعة أبواب فولاذية مانعة للانفجار يزن كل واحد منها بين خمسة وسبعة أطنان لفتح الطريق نحو بقية أجزاء النفق، معتبرًا أن إيجاد حلول لهذه التحديات يمثل إحدى أبرز قدرات وحدة “يهلوم”.
العمل في عمق الأراضي اللبنانية
ورفض قائد الفصيلة الكشف عن الوسائل المستخدمة لإزالة الأبواب الفولاذية، مكتفيًا بالإشارة إلى استخدام حلول ومعدات هندسية خاصة نُقلت للعمل في عمق الأراضي اللبنانية وتحت الأرض.
وأضاف أن بعض الأنفاق كانت ضيقة إلى درجة اضطر معها الجنود إلى التحرك في وضعية القرفصاء، قبل أن يواجهوا، بعد تأمينها، ظروفًا وصفها بأنها من أصعب مراحل المهمة، بسبب الروائح الكريهة، وبقايا الطعام، وزجاجات البول، والنفايات التي تركها عناصر حزب الله داخل الأنفاق.
وأوضح أن القوات تدخل بعد ذلك وهي ترتدي أقنعة واقية وبدلات خاصة، بعد التأكد من خلو الأنفاق من المقاتلين والمتفجرات، بسبب وجود مواد قد تشكل خطرًا على الجلد والجهاز التنفسي.
فريق إنقاذ يرافق العمليات تحت الأرض
يقول قائد فصيلة S-2 إن العمل داخل الأنفاق لا يقتصر على القوات الموجودة تحت الأرض، بل يواكبه انتشار منظومة دعم كاملة فوق سطح الأرض، تتضمن فريقًا للإنقاذ والإخلاء يبقى في حالة جهوزية للتدخل الفوري في حال إصابة أحد الجنود أو الحاجة إلى إخراجه من أعماق النفق.
ويشير إلى أن أفراد الفريق يتلقون تدريبات على التسلق والهبوط بالحبال، وإزالة العبوات الناسفة، وتشغيل الروبوتات والطائرات المسيّرة، إلى جانب تنفيذ عمليات إنقاذ تعتمد على حسابات دقيقة تضمن إخراج المصابين بأكبر قدر ممكن من الأمان.
بعد رسم الخرائط. تبدأ مرحلة التدمير
وبعد استكمال رسم خرائط النفق والتأكد من خلوه من المقاتلين والمتفجرات، تبدأ مرحلة تدميره، التي يصفها قائد الفصيلة بأنها ذروة العملية، نظرًا لما تتطلبه من إدخال كميات كبيرة من المتفجرات إلى عمق الأراضي اللبنانية، في ظل مخاطر الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيّرة ومراقبة عناصر حزب الله.
ويستعرض إحدى العمليات التي دخلت خلالها 140 شاحنة محملة بـ84 طنًا من “مواد خاصة” لتدمير الأنفاق، فيما تولى 50 جنديًا تفريغ الحمولة خلال ليلة واحدة، رغم أن التقديرات كانت تشير إلى أن المهمة ستستغرق أربعة أيام، قبل نقل المواد إلى داخل الأنفاق وإنجاز العملية خلال ساعات.
ويقول إن الجنود يدركون طبيعة الأهداف التي يعملون على تدميرها، معتبرًا أن ذلك يمنحهم دافعًا معنويًا لمواصلة المهمة، مضيفًا أن دور الوحدة لا ينتهي عند تفجير الأنفاق، بل يمتد إلى دراسة بنيتها وطريقة تصميمها والأهداف التي أُنشئت من أجلها.
“أصول” عسكرية وليست مجرد أنفاق
ويرى قائد الفصيلة أن الحرب غيّرت نظرة الوحدة إلى أنفاق حزب الله، التي لم تعد تُعامل، بحسب قوله، كممرات منفصلة، بل كمنظومة تضم “أصولًا” عسكرية تؤدي وظائف متعددة.
ويشير إلى أن أحد الأنفاق التي دُمرت في مجدل زون بلغ طوله 538 مترًا، وضم مستودعات أسلحة وورشة لتجميع الطائرات المسيّرة التابعة للوحدة الجوية 127 في حزب الله، معتبرًا أن ذلك يعكس توزيع الوظائف العسكرية داخل شبكة الأنفاق بدل تركيزها في موقع واحد.
مراكز قيادة ومنصات إطلاق
ويقول إن شبكة الأنفاق تمتد داخل الجبال، وتؤدي وظائف مختلفة، تشمل مراكز قيادة تستقبل المعلومات من الكاميرات المنتشرة فوق الأرض، وأنفاقًا مخصصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأخرى للمراقبة والرصد، موضحًا أنها صُممت للإقامة لفترات طويلة، وتضم أسرة، ومؤنًا، وخزانات مياه، ومولدات كهرباء، وألواحًا شمسية.
ويضيف أن القوات رصدت خلال الحرب تغييرات في استخدام بعض الأنفاق، إذ غُيّرت وظائف بعضها، وحُفرت فتحات جديدة بدل تلك التي دُمرت بالغارات، في محاولة للحفاظ على فعالية الشبكة. كما يشير إلى أن معظم الأنفاق تضم أكثر من مخرج يؤدي كل منها وظيفة مختلفة، وأن إحدى العمليات أسفرت عن العثور على ثمانية أطنان من المتفجرات و50 طائرة مسيّرة داخل أحد الأنفاق.
شبكة مجزأة… والهدف ربطها بالكامل
ويؤكد قائد الفصيلة أن شبكة الأنفاق ليست متصلة كما كان يُعتقد في بداية العملية البرية، لكنها تبدو، بحسب تقديره، جزءًا من مشروع هدفه إنشاء شبكة واحدة مترابطة تسمح بالانتقال بين مناطق مختلفة، معتبراً أن اكتشاف أحد المسارات لا يعني بالضرورة كشف بقية المسارات، وهو ما يمنح الشبكة قدرة على الاستمرار رغم الضربات التي تتعرض لها.
الأنفاق كحيز عملياتي متكامل
ويقول قائد فصيلة S-2 إن الخبرة التي اكتسبتها الوحدة دفعتها إلى دراسة أساليب إخفاء الأنفاق، معتبرًا أن حزب الله والمهندسين الإيرانيين الذين شاركوا في تصميمها بذلوا جهودًا كبيرة لإخفاء مداخلها ومنع اكتشافها.
ويضيف أن الجيش الإسرائيلي لم يعد ينظر إلى كل نفق باعتباره منشأة منفردة، بل كحيز عملياتي متكامل يسمح، وفق تقييمه، بمهاجمة البلدات الإسرائيلية، ومراقبة واستهداف طرق التقدم داخل جنوب لبنان، مؤكدًا أن الأنفاق شُيدت بما يتيح السيطرة على المناطق المحيطة بها.
“نقترب من توجيه ضربة كبيرة”
ويرى قائد الفصيلة أن العمليات التي تنفذها القوات الإسرائيلية أوصلتها، بحسب تقديره، إلى مرحلة باتت فيها قريبة من توجيه ضربة كبيرة إلى حزب الله.
ويقول: “أعتقد أننا قريبون جدًا جدًا من توجيه ضربة قوية إلى حزب الله، لأننا نجلس على مركزه العصبي، وعندما ننجز هذه المهمة فلن تكون مجرد إصابة سطحية، بل ستكون ضربة كبيرة جدًا في وقت قريب.”
تقييم نتائج العمليات
ويؤكد قائد الفصيلة أن تدمير الأنفاق لا يقتصر على تنفيذ تفجيرات منفصلة، بل يأتي ضمن جهد أوسع يهدف، وفق قوله، إلى تحييد القدرات التي بناها الإيرانيون وحزب الله في المجال تحت الأرض منذ عام 2006.
ويضيف أن الإنجازات المتراكمة جعلت الأنفاق، بحسب وصفه، تتحول إلى “مصائد موت” بالنسبة إلى حزب الله، مضيفًا: “أعتقد أننا ألحقنا به ضررًا بالغًا. لقد دمرنا فروعًا كاملة. ونحن نسيطر على عدد من أهم أصوله وأكثرها أهمية. إننا نستنزفه، وكل ما أتمناه هو أن يسمحوا لنا بمواصلة التقدم، إلى أبعد مدى ممكن.”
دعوة إلى مواصلة العمليات
واعتبر قائد الفصيلة أن المرحلة الحالية تمثل، بحسب تعبيره، “لحظة استثنائية”، داعيًا إلى مواصلة العمليات حتى استكمال تدمير ما وصفها بالبنية التحتية التي أنشأها حزب الله.
وقال: “نحن في لحظة استثنائية، وعلى حافة تطورات كثيرة. لا توقفونا. دعونا ندمر كل ما بنوه هناك. فالإنجاز الحقيقي سيتحدد في النهاية فقط، وعندها فقط سيتقرر ما إذا كنا قد أطفأنا مفاتيحهم”.
رسالة إلى الجنود وخلاصة التقرير
واختتم قائد الفصيلة المقابلة بتوجيه رسالة إلى جنوده، قال فيها إنه يريدهم أن يتذكروا عزيمة الوحدة وطبيعة المهام التي نفذتها خلال الحرب، مضيفًا: “أريدهم أن يتذكروا عزيمة الوحدة، وأننا نعمل في أماكن مختلفة، وفي مئات المهام. ولو استطعت أن أخبركم بعدد الأماكن التي كنت فيها خلال هذه الفترة، والأماكن التي وطئتها قدماي في أنحاء العالم، لأدركتم حجم التأثير الذي تُحدثه هذه الوحدة”.

