نشرت في
مع إحكام إيران قبضتها على مضيق هرمز، يحاول حلفاؤها في اليمن، الحوثيون، تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر من الموانئ السعودية وإليها، وهو ما قد يؤدي أيضًا إلى اضطراب حركة السفن في مضيق باب المندب، الذي تعبره السفن في طريقها إلى قناة السويس.
اعلان
اعلان
ويُعد مضيقا هرمز وباب المندب من بين نحو اثني عشر مضيقًا تُصنف على أنها حيوية للتجارة الدولية، إذ تتحكم في الوصول إلى الخليج والبحر الأحمر، فيما تعبرها ناقلات النفط والغاز، وسفن الشحن السائب، وسفن الحاويات المحملة بالمواد الخام والبضائع.
ولأن هذه الممرات تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، فقد كانت على الدوام في قلب الصراعات بين القوى الكبرى، كما شكلت محورًا لنقاشات قانونية وفلسفية انتهت إلى إرساء قواعد حرية الملاحة البحرية.
“البحر لا يملكه أحد”
يعيد سيلفان دوميرغ، أستاذ الجغرافيا في معهد العلوم السياسية في بوردو ومؤلف كتاب “الجغرافيا السياسية للمجالات البحرية”، جذور الصراع على المضائق إلى مطلع القرن السادس عشر، عندما سعت البرتغال، التي فتح بحارتها الطريق البحري إلى الهند، إلى السيطرة على مضيق هرمز منذ عام 1507 بهدف احتكار تجارة التوابل وثروات الشرق.
لكن هذه الرؤية اصطدمت لاحقًا بجدل قانوني وفلسفي انتهى بانتصار نظرية “البحر الحر” (Mare Liberum)، التي صاغها الفقيه والفيلسوف الهولندي هوغو غروتيوس في مطلع القرن السابع عشر، والقائمة على مبدأ أن “البحر لا يملكه أحد”.
ويقول دوميرغ، في حديثه لوكالة “فرانس برس”، إن ضمان حرية الملاحة كان يستوجب قبل كل شيء ضمان حرية المرور عبر المضائق، وهو ما تبنته هولندا، قبل أن تدافع عنه بريطانيا ثم الولايات المتحدة، التي لا تزال حتى اليوم تلتزم بمعظم أحكام اتفاقية مونتيغو باي، رغم أنها لم تصادق عليها أيضًا.
ويوضح أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في مونتيغو باي في 10 كانون الأول/ديسمبر 1982، والتي تُعرف بأنها “دستور المحيطات”، أرست مبدأ اعتبار المضائق تكوينًا طبيعيًا لا يجوز إخضاعه لرسوم عبور، كما كرّست مبدأ حرية الملاحة.
ويلفت دوميرغ إلى أن الرسوم يمكن فرضها على القنوات التي صنعها الإنسان، مثل قناة السويس وقناة بنما، من قبل الدول التي تتولى إدارتها، مشيراً إلى أن إيران، رغم عدم مصادقتها على اتفاقية مونتيغو باي، كانت حتى الآن تحترم أحكامها باعتبارها جزءًا من القانون الدولي العرفي.
المضائق.. أدوات نفوذ واستعمار
رغم تكريس مبدأ حرية الملاحة، يؤكد دوميرغ أن ذلك لم يمنع بريطانيا من بناء مشروعها الاستعماري انطلاقًا من جغرافية المضائق.
فقد أقامت لندن أبرز قواعدها العسكرية على امتداد الممرات البحرية الاستراتيجية، وكانت قاعدتها الاستعمارية الكبرى في آسيا في سنغافورة، ما منحها السيطرة على مضيق ملقا، الذي تمر عبره اليوم النسبة الأكبر من حركة الملاحة البحرية العالمية القادمة من الصين.
كما أنشأت قواعد عسكرية في جزيرة سقطرى قرب مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر.
وفي أوروبا، اكتسبت المضائق الدنماركية، مثل أوريسوند وكاتيغات، أهمية استراتيجية كبيرة خلال القرن التاسع عشر، إذ مكّنت الدنمارك لفترة طويلة من فرض رسوم عبور، كما أنها تتحكم بالطريق المؤدي من بحر البلطيق إلى المحيط الأطلسي، ولا سيما بالنسبة إلى روسيا ودول البلطيق.
هل تتغير قواعد العبور؟
يشير دوميرغ إلى أن الرسوم لا تزال تُفرض حتى اليوم فقط في المضائق التركية، أي البوسفور والدردنيل، اللذين يخضعان لاتفاقيات أقدم، أبرزها اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936.
ويرى أن السنوات المقبلة قد تشهد بروز ملفات جديدة مرتبطة بالمضائق البحرية، وعلى رأسها مضيق تايوان في ظل الطموحات الإقليمية الصينية، إضافة إلى مضيق ملقا الذي تتقاسم الإشراف عليه سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.
ويكشف أن ما وصفها بـ”حرب الرمال” بدأت بالفعل في مضيق تايوان، حيث ترسل الصين سفنًا لاستخراج الرمال البحرية من مياه تطالب بها تايوان لاستخدامها في قطاع البناء، معتبرًا أن هذه العمليات تحمل طابعًا استفزازيًا.
ويضيف أنه في الليلة التي أعلنت فيها إيران نيتها فرض رسوم عبور في مضيق هرمز، سارع رئيس الوزراء الماليزي إلى الترحيب بالفكرة، معلنًا أنها قد تُطبق أيضًا في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن هذا الطرح لاحقًا.
ويختم دوميرغ محذرًا من أن فرض رسوم عبور في مضيق ملقا من شأنه أن يوجّه ضربة لمكانة سنغافورة، التي قد تفقد جزءًا من بريقها ودورها كمركز رئيسي للتجارة والنقل البحري في شرق آسيا.
المصادر الإضافية • AFP

