توفي الياباني كوزو أوكاموتو، المعروف باسم “أحمد الياباني”، في العاصمة اللبنانية بيروت، وفق ما أعلنته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الخميس، بعد عقود أمضاها في لبنان ارتبط خلالها بالقضية الفلسطينية، واشتهر بدوره في تنفيذ عملية مطار اللد عام 1972.
اعلان
اعلان
وقالت الجبهة، في بيان نعي، إن أوكاموتو توفي في بيروت “ثابتاً على مواقفه”، واصفة إياه بأنه من أبرز الشخصيات التي انخرطت في دعم القضية الفلسطينية، مؤكدة أنه بقي إلى جانب الفلسطينيين طوال حياته ولم يتراجع عن قناعاته.
في ختام بيان نعيه، قالت الجبهة الشعبية إنها متمسكة بما سمته “نهج النضال الأممي”، واعتبرت أن رحيل أوكاموتو يمثل خسارة لأحد أبرز من كرسوا حياتهم لدعم القضية الفلسطينية.
النشأة والانضمام إلى الجيش الأحمر الياباني
وُلد كوزو أوكاموتو في السابع من ديسمبر/كانون الأول عام 1947 بمدينة كوماموتو في جنوب اليابان، وكان أصغر أبناء عائلة تتكون من ستة أشقاء وشقيقات وتنتمي إلى الطبقة المتوسطة.
درس علم النبات، قبل أن ينضم عام 1966 إلى تنظيم الجيش الأحمر الياباني، وهو تنظيم يساري ثوري معادٍ للإمبريالية والرأسمالية، امتلك نشاطاً داخل اليابان وخارجها، ولا سيما في أوروبا.
وبقيادة فوساكو شيغينوبو، بدأ التنظيم التنسيق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبر شخصيات بارزة، من بينها وديع حداد وغسان كنفاني، ونُفذت خلال سبعينيات القرن الماضي عدة عمليات مشتركة بين الطرفين.
عملية مطار اللد
وبرز اسم أوكاموتو عالمياً بعد مشاركته في عملية مطار اللد، التي وقعت في 30 مايو/أيار 1972، عندما وصل مع اثنين من عناصر الجيش الأحمر الياباني على متن رحلة للخطوط الجوية الفرنسية قادمة من روما مستخدماً جواز سفر مزوراً باسم “ديسوكي نامبا”، وهو اسم اختاره التنظيم تكريماً لشخص حاول اغتيال ولي العهد الياباني آنذاك هيروهيتو عام 1923.
ومنحته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الاسم الحركي “أحمد” بعد تلقيه تدريبات عسكرية لديها ومشاركته في التخطيط للعملية.
وبحسب الروايات الواردة، تمكن أوكاموتو ورفيقاه ياسويوكي ياسودا وأوكوديرا تسويوشي من إدخال رشاشات وقنابل داخل حقائبهم إلى مطار اللد، الذي يعرف حالياً باسم مطار بن غوريون قرب تل أبيب، قبل أن يفتحوا النار على المسافرين.
وأسفرت العملية عن مقتل 26 شخصاً، بينهم كندي وثمانية إسرائيليين و17 حاجاً مسيحياً من بورتوريكو يحملون الجنسية الأميركية، إضافة إلى إصابة عشرات آخرين، في واحدة من أبرز العمليات التي شهدها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي آنذاك.
وكانت الخطة تقضي بأن يفجر المنفذون الثلاثة أنفسهم عقب الهجوم، إلا أن اثنين منهم قُتلا، بينما أُصيب أوكاموتو وأُلقي القبض عليه.
المحاكمة والسجن
وخلال فترة استجوابه، عرض المحققون الإسرائيليون على أوكاموتو مسدساً لإنهاء حياته مقابل التعاون، وفق روايات نقلتها تقارير صحفية، لكنهم لم يفوا بوعدهم.
وخلال محاكمته، بدا أوكاموتو ساعياً إلى حكم الإعدام، وهو حكم لم تصدره إسرائيل إلا مرة واحدة بحق النازي أدولف إيخمان.
ووصف محاميه المعين من المحكمة موقفه لاحقاً بأنه “كان يعمل لصالح الادعاء”. حكم عليه بالسجن المؤبد، وأمضى 13 عاماً معظمها في الحبس الانفرادي.
الإفراج وصفقة التبادل
وأُفرج عن أوكاموتو عام 1985 ضمن صفقة تبادل الأسرى المعروفة باسم “عملية الجليل”، والتي جرت بين إسرائيل وفصائل فلسطينية.
وعند وصوله إلى مطار طرابلس في ليبيا عقب الإفراج عنه، ظهر شاحباً وضعيفاً ومحمولاً على أكتاف عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وقال أبو يوسف، أحد مسؤولي الجبهة الشعبية في لبنان والمقرب من أوكاموتو، إنه خرج من السجن “أشبه برفاة إنسان”، مضيفاً أن سنوات الاعتقال تركت آثاراً نفسية كبيرة عليه، وأنه كان يُجبر على تناول الطعام ويداه مقيدتان خلف ظهره.
وأضاف أن أوكاموتو استغرق وقتاً حتى عاد إلى تناول الطعام بيديه، لكنه ظل لفترة يتناول آخر لقمة من طبقه بلسانه، مشيراً إلى أن إعادة تأهيله نفسياً كانت من أولويات الجبهة بعد إطلاق سراحه.
اللجوء السياسي في لبنان
وأقام أوكاموتو بعد الإفراج عنه في مخيمات تابعة للجيش الأحمر الياباني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في منطقة البقاع شرقي لبنان.
وفي عام 1997، اعتقلته السلطات اللبنانية في قضية تزوير مستندات.
وبعد ثلاث سنوات، رحّلت السلطات اللبنانية أربعة من أعضاء الجيش الأحمر الياباني إلى طوكيو، إلا أن أوكاموتو لم يكن بينهم، بعدما حالت ضغوط الفصائل الفلسطينية وتنظيم احتجاجات داعمة له دون ترحيله، ليحصل عام 2000 على اللجوء السياسي في لبنان، ويصبح اللاجئ السياسي الوحيد في بلد لا يعتمد سياسة لجوء رسمية.
ومنذ ذلك الوقت، عاش في بيروت تحت رعاية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كرّمته عام 2016 تقديراً لدوره إلى جانب القضية الفلسطينية، واستمر في الإقامة هناك حتى وفاته.
حياة هادئة بعد سنوات الصراع
عاش أوكاموتو خلال سنواته الأخيرة حياة بسيطة وروتينية، إذ كان يتناول وجباته في أوقات ثابتة، ويفضل شرب القهوة وتناول الحلويات.
وبعدما كان مدخناً كثيفاً، أقلع عن التدخين بناءً على نصيحة أطبائه، كما أمضى جانباً كبيراً من وقته في مشاهدة الرسوم المتحركة، مثل “توم وجيري”، والاعتناء بقطتيه.
وشارك عام 2022 في ظهور علني نادر خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية مطار اللد في مخيم شاتيلا ببيروت، وكان لا يزال يحتفظ بخاتم أهداه إليه أحد المعتقلين الذين رافقوه في السجن.
وقال أبو يوسف إن أوكاموتو ظل، رغم تراجع حالته الصحية والنفسية، يتحدث باستمرار عن فلسطين ويصفه بأنه شخص “لا يعرف كلمة موجوع أو متعب”.
مطالبات يابانية ومكافأة أميركية
وبقي أوكاموتو مطلوباً من السلطات اليابانية طوال سنوات إقامته في لبنان، فيما قالت مي شيغينوبو، ابنة مؤسسة الجيش الأحمر الياباني فوساكو شيغينوبو، إنه لم يعد يشكل تهديداً لليابان أو إسرائيل، لكنها أشارت إلى استمرار مطالبة طوكيو سنوياً باستعادته، معتبرة أن ذلك أبقى الاهتمام السياسي والأمني بقضيته قائماً، وأضافت أنها لا تستبعد أن تكون حياته ظلت معرضة للخطر.
وعاد اسمه إلى الواجهة مجدداً بعدما أعلنت الولايات المتحدة مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى القبض عليه، متهمةً إياه بالمشاركة في عملية مطار اللد عام 1972.

