الكاتب شارلي سميا
مسرح الفودفيل (أصوات المدينة) Voix de Ville الأميركي العريق، الفرنسي النشأة والفكرة، تميّز بتعدد الفقرات داخله غير المترابطة مثل الموسيقى، السيرك، الغناء وغيرها.
غاية هذا المسرح هو الترفيه عبر إبراز المواهب المتعددة، حيث المواهب ترفع نسبة التحّدي في المنافسة وسقف الترفيه. الإيماء، السريالية، الخروج عن الواقع, الغرائب، العجائب والأمراض النفسية تُكسي وتُغلّف هذا النوع من المسرح.
مسرحية “خلّيني خبرك ليه” تعتمد الطابع العائلي في نمط مسرح الفودفيل وأساساً كأحد فقراته، والبيت اللبناني كمسرح للأحداث، فنظام البلد وسياسته الإقتصادية يتفننان في تأسيس الأمراض النفسية وتقويض ركائز الدعم الأسرية. من هنا الكاتبان برونو جعارة وفيفيان بلعط، جعلا الحوار والأحداث تجري داخل البيت، مع أن حياة الأشخاص تختار إهتماماتها ونشاطاتها في كل الأرجاء، لكن كل المصائب والشوائب ينهمر مطرها البركاني على البيوت. من هنا بساطة الديكور هو شكلي بالفعل ولكن ليس بالمضمون.
النقطة المحورية في هذا العمل هي لبننة مضمونه بمفهوم المجتمع اللبناني الكاذب، المخادع، الممثل للوصول إلى مبتغاه وإرضاء شهواته المرضية. فالنص يصوّب أسلحته الرشاشة على الواقع بكادر سريالي بإمتياز، حيث تموضعت سمات الشخصيات ضمن هيكل فضائي للإنسان غير مألوف. فالكوميديا على الأمور غير المألوفة تحصل من المشاهدين والبشر، أما الأفراد المتصارعة والمتقاتلة فتشعر بجحيم المشاكل وآثارها الوخيمة.
هذا هو المسرح ضمن المسرح، الممثل يؤدي دوره في العادة كما يحصل في الحياة، فيُشعر الحاضرين بأنه واقعي من باب تجسيده للدور. لكن هنا يعيش الواقع ويظهر كممثل. سخرية سوداء، مريرة، تبدأ بالواقع، تنتقل إلى السريالية وتعود إلى الواقع. “بوطة متمحورة مريضة”، أليس هذا واقع كل لبناني يفاجئ كل يوم الجميع بشيء جديد؟ فالعجز في تحديد البروفايل الشخصي ومميزاته هو في منتهى الصعوبة. الإبداع في “مجموعة المجانين الخمسة” هو الإرتجال من وقع الواقع. ففي عرض كل يوم من هذه المسرحية يضعون في كل شخصية نفحة جديدة من خلال عيش الواقع مع هذه الشخصيات التي يقابلونها في حياتهم، ومن ثم العودة إلى المسرح وبلورتها على خشبته.
فبداية المسرحية مع علي منيمنة (بدور أنيس) الزوج وغريتا عون (الزوجة مارو) في الصراخ، تراشق الإتهامات بالخيانة، الغدر والطعن، مع إتصال الحبيبة بولين حداد (عشيقة أنيس) ومحاولة التغطية من الزوج الخائن. المشهد كما يبدو في منتهى التعوّد والإعتيادية مع أي مسرحيّة تُبسط الواقع الإجتماعي، ولكن مع دخول فيفيان بلعط (لوريس) ممثلة جمعية خيرية، ينقلب الواقع التمثيلي من الواقعي إلى السريالي، وهذه نقلة مشهود لها للمخرج برونو جعارة، الممثل أصبح مخرجاً وواضعاً النظم، الأطر، والمخطط الحواري لكل شخصية ستظهر في المسرحية أو ظهرت ولكن سُيسبب لها التحول. (لوريس) المتنقلة إلى دور الزوجة المتحورة، (جانو) زوجة (رشيد)، ضياء منصور، في ذروة النرجسية الوقحة. (الزوجة مارو) والسذاجة المُستفهمة للمزاجية، لعدم التمكن من فهم الأمور وإعادة الثقة بالزوج. (رشيد) المنفصل عن الواقع بوداعته المرضية وغبائه المُستشري بالثقة لزوجته (جانو). ولكن ضمن هذا المخطط من (أنيس)، تارةً تنقلب الأمور لصالحه وتارةً تنقلب عليه عندما تتفق (لوريس) و(جانو) (إتفاقية نسوان بلبنان)، ومع وصول (رشيد) المتنكر بزي إمرأة لكي يتنقم، تصل الأمور إلى مكان مُظلم وأفق مسدود. تعب الجميع من الواقع المأساوي، الكذب ليس له مخطط ورؤية واضحتين. بوصلته ضائعة المعالم ونتائجها دمار حارق. الخطيئة أولها فرح وآخرها ترح. حل الخطأ لا يكون بالطريقة الخطأ. فعاد كل كار إلى كاره، فالخير حتى لو بفكرة غير دقيقة قد يؤدي إلى حلحلة كل الأمور كما فعلت (لوريس) من ممثلة جمعية تعبد المال إلى دور زوجة تحمي رجلاً فأنقذت مجتمعاً كاملاً.
فالزوج (أنيس) النرجسي الأناني في سياق الحوار يحوّل (لوريس) إلى شخصية ثانية لطرد العشيقة التي تريد إنهاء حياته. علي منيمنة يرسم الملعب بزواياه المحددة حيث يلعب الجميع، يتناقشون، يتصارعون لتسجيل أهدافه وليس أهدافهم. لبس دجل الحب على إمرأته، الرجل المستفيد مع (لوريس)، العشيق الولهان مع حبيته (جانو). يتقلب مزاجه كروبوت بين الفينة والفينة، مازجاً الشخصية الإنفصامية مع النرجسية والعصبية. في منتهى التمكن، الإقتدار والقدرة يقفز منيمنة عالياً. غريتا عون و”السخسخة الساذجة” اللاواقعية في مجتمع المرض والواقعية في مجتمع راقٍ. تتفنن في الغرام وقوانينه التطبيقية بالرومانسية الأفلاطونية وتجعلك تعيشها كمشاهد بكل فرح، سرور وشعور. (جانو) العشيقة ما بين الإضطراب الوهمي في عيش الوهم كواقع، في تصديق الكذب كواقع، في كلامها المشوّش، السلوك المضطرب والخائف في حالات الخوف “نمر من كرتون” “لمّا بتوصل السكينة على الرقبة”. ثقافة الوقاحة العمياء في قلب، عقل وذكاء بولين حداد على المسرح.
المال يجعل من كل شخص أفضل ممثل تنوعاً على أرض الواقع، ومن لهذا الدور غير فيفيان بلعط. موهبة إستثنائية في الصلح، الإستصلاح، التصليح ومن ثم “نتف الشخص وسلخه”. “بدكن تفوتوا بالجمعية”. الممثلة المُستعبدة من (أنيس)، ولكن “جيت والله جابك”. اللجاجة الذكية في طلب المال، تقليد الأصوات، العودة إلى الذهنية التقليدية “الضيعجية” للأخذ بالثأر، الزوجة الحنونة، المصلحة الإجتماعية ولكن مع تسديد فاتورة جهدها وتعبها. كل لبناني ولبنانية إجتمعوا داخل (لوريس)، ضحكوا في المسرحية حتى ما فوق الإشباع وتذكروا صوراً رابطة ببيئتهم.
الفن السريالي بصوريته اللاواقعية، إلا أنه يحمل رسائل واضحة المعالم عبر إستنتاجها من القالب الدرامي والعقدة الدرامية، كل لبناني لا يريد تغيير الواقع، إنما يحمل خصائل مرضية في التمثيل والخداع لأنه الدواء الوحيد له للنجاح في مجتمع رسم أسسه بنفسه. ولكن هذا لا يمكن أن يستمر وبالنهاية “ما بيصح إلاّ الصحيح”. وقد عصر المخرج برونو جعارة الممثلين من أجل الإنصهار السريالي بالفحوى الكوميدية للنص كتحدٍّ أوّلي للممثلين الخمسة. لا يمكن أن تكون هذه الشخصيات في الواقع، لكن تصرفاتها تعكس تمثيل اللبنانيين على بعضهم البعض، إستغلالهم لبعضهم البعض، والأهم “إنو الميّ ماشية من تحت كل واحد منن وهني مش عارفين”. ذكاؤنا كلبنانيين بغبائنا. مسرحية “خلّيني خبرك ليه” مسرحية داخل مسرحية “بتضحكك مع بهدلة”. هي صورة الوطن المكوّن بعائلاته.
نذكر أن هذه المسرحية هي من إنتاج Afkar Production لصاحبها المنتج مطانيوس أبي حاتم.

