كتب – أحمد زكي : على ضفاف النيل في قلب صعيد مصر، يقف كوبري شرق النيل بنجع حمادي شامخًا كأحد أبرز الشواهد المعمارية التي ارتبطت بتاريخ النهضة الهندسية في مصر الحديثة. هذا الجسر المعدني العريق، الذي تشير المراجع إلى ارتباط تصميمه بمدرسة المهندس الفرنسي الشهير غوستاف إيفل، صاحب برج إيفل، لم يعد مجرد وسيلة عبور بين ضفتي النهر، بل تحول إلى رمز تراثي وهوية بصرية لمدينة نجع حمادي. وفي ظل ما يشهده من تقادم زمني وتأثيرات بيئية، تتصاعد مطالبات الأهالي إلى الفريق كامل الوزير، وزير النقل، لإعادة تأهيله وتجديده بما يليق بقيمته التاريخية والسياحية.
معبر حيوي يتجاوز الوظيفة التقليدية
يمثل الكوبري شريانًا يوميًا لحركة المواطنين بين شرق وغرب المدينة، حيث يخدم الأنشطة السكنية والتجارية والتعليمية، ويُعد جزءًا أساسيًا من شبكة الحركة المحلية.
إلا أن أهميته لا تقتصر على البعد الخدمي، بل تمتد إلى بعد رمزي وثقافي؛ إذ يجسد مرحلة تاريخية شهدت انفتاح مصر على مدارس هندسية أوروبية متقدمة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
التصميم المعدني القوسي للكوبري يعكس خصائص معمارية فريدة تميزه عن الجسور الخرسانية الحديثة، وهو ما يمنحه قيمة جمالية وتاريخية تستحق الحفظ والتوثيق، لا سيما في بيئة الصعيد التي تفتقر نسبيًا إلى نماذج مماثلة من العمارة الصناعية التراثية.
دوافع المطالبة بإعادة التأهيل
يشير عدد من أبناء المدينة إلى ملاحظات تتعلق بتآكل بعض الأجزاء المعدنية وتأثر الطلاء والعناصر الداعمة بعوامل الرطوبة والحرارة، وهو ما يستدعي من وجهة نظرهم تدخلاً هندسيًا عاجلاً يشمل
إجراء دراسة فنية شاملة للحالة الإنشائية.
ترميم العناصر المعدنية وفق معايير الحفاظ على المنشآت التاريخية.
معالجة الصدأ وإعادة الطلاء بمواد مقاومة للعوامل البيئية.
تطوير منظومة الإضاءة وتأمين الحركة المرورية والمشاة.
ويؤكد الأهالي أن الهدف ليس فقط ضمان السلامة العامة، بل الحفاظ على قيمة تراثية تشكل جزءًا من ذاكرة المكان ووجدان سكانه.
أفق سياحي واعد
من منظور سياحي أكاديمي، يمكن أن يتحول الكوبري حال تطويره إلى عنصر جذب ضمن مسار سياحة النيل في محافظة قنا، خاصة مع تنامي الاتجاه العالمي نحو السياحة الثقافية وسياحة التراث الصناعي. فالجسور التاريخية في العديد من دول العالم أصبحت معالم قائمة بذاتها، تُستثمر في الفعاليات الثقافية والتصوير الفوتوغرافي والترويج للمقاصد المحلية.
إن إعادة تأهيل كوبري شرق النيل لا تمثل مشروع صيانة فحسب، بل فرصة لإعادة توظيفه كمنصة حضارية تُبرز هوية نجع حمادي وتدعم اقتصادها المحلي عبر تنشيط السياحة الداخلية وخلق مساحة جمالية مفتوحة على النهر.
بين التنمية والحفاظ على الهوية
تتسق مطالب الأهالي مع توجه الدولة نحو تطوير البنية التحتية مع احترام البعد التاريخي للمنشآت القديمة. فالمعادلة المنشودة تكمن في الجمع بين معايير الأمان الحديثة وصون الطابع الأصلي للجسر، بما يضمن استدامته كمرفق خدمي ومعلم تراثي في آنٍ واحد.
إن كوبري شرق النيل بنجع حمادي ليس مجرد هيكل معدني يعبر النهر، بل وثيقة حية تحكي قصة مرحلة من التحديث والهندسة المتقدمة في مصر. ومن ثم، فإن الاستجابة لمطالب تطويره تمثل خطوة نحو تعزيز مفهوم التنمية المستدامة القائمة على حماية التراث وتفعيل دوره في دعم السياحة والاقتصاد المحلي، بما يليق بتاريخ المدينة وطموحات أبنائها.
إقرأ أيضاً :

