ترامب
بعث الرئيس الأميركي دونالد ترامب بجملة من الرسائل التي اعتبرتها الأسواق إشارات إيجابية مُطمئنة، الأمر الذي كان له مردود مباشر وملحوظ على أسعار النفط خلال تعاملات الاثنين، والتي استهلتها العقود الآجلة للخام الأميركي وخام برنت بارتفاعات قياسية، مخترقة حاجز الـ 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ العام 2022، لتصل قرب مستويات الـ 120 دولاراً، قبل أن تفقد مكاسبها لاحقاً بعد تصريحات ترامب.
التصريح الأبرز كشفت عنه مراسلة شبكة سي بي إس نيوز، والتي نقلت عن الرئيس الأميركي قوله: “أعتقد بأن الحرب قد انتهت تقريباً.. ليس لديهم أسطول بحري، ولا اتصالات، ولا سلاح جو”. وأضاف أن الولايات المتحدة متقدمة “بفارق كبير” عن المدة الزمنية التي قدّرها في البداية والتي تتراوح بين 4 و5 أسابيع.
وبينما اكتفى ترامب في مؤتمر صحافي لاحق لتلك التصريحات بالإجابة بـ “لا” عندما تلقى سؤالا عما إذا كانت الحرب مع إيران ستنتهي هذا الأسبوع، فإنه أفاد بأن الحرب “ستنتهي قريباً”.
راقبت سوق النفط عن كثب تصريحات ترامب، والتي بعث خلالها بجملة من الرسائل للداخل الأميركي، لا سيما أنه قلل من تأثير الأزمة على الأميركيين، قائلاً: “لدينا الكثير من النفط.. لدينا نفط وغاز هائلان”. وبعد تلك التصريحات شهدت الأسعار هبوطاً دراماتيكياً في المساء إلى مستويات عند 85 دولاراً للبرميل، معاكسة ارتفاعاتها التاريخية في مستهل التعاملات. كما افتتحت في التعاملات المبكرة اليوم الثلاثاء على تراجعات ملحوظة أيضاً.
فقد انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من تسعة دولارات إلى 89.58. دولار للبرميل في الساعة 0018 بتوقيت غرينتش الثلاثاء، وهوى خام غرب تكساس الوسيط الأميركي تسعة دولارات إلى 85.77 دولار.
تعامل ترامب مع “صدمة أسعار النفط” بموجة من التطمينات المُوجهة للداخل والخارج، ومن بين أبرز ما أورده في هذا السياق في مؤتمره الصحافي:
- سأضرب إيران بقوة أكبر إذا أضرت بإمدادات النفط
- أريد أن أبقي مضيق هرمز مفتوحا
- البحرية الأميركية سترافق السفن في مضيق هرمز عندما يحين الوقت
- سنرفع أيضا بعض العقوبات المتعلقة بالنفط
- التخلي عن العقوبات يهدف إلى خفض أسعار النفط
- الحرب مع إيران ستنتهي “قريبا جدا”
- انتهى الخطر الكبير المتعلق بإيران منذ ثلاثة أيام.. يمكننا ترك الأمر عند هذا الحد لكننا سنمضي قدما
وبينما كان لتلك التصريحات مردود إيجابية في الأسواق، بما في ذلك في وول ستريت حيث عكست المؤشرات اتجاهها وارتدت إلى اللون الأخضر بعد تأكيد ترامب على أن الحرب انتهت تقريباً في البداية، فإن استمرار ذلك التفاؤل مرتبط بشكل مباشر بالمدة الزمنية التي تستغرقها الحرب والتطورات المقبلة، في ظل حالة عدم اليقين المسيطرة على الأجواء، وبالنظر إلى أن أي تطور معاكس من شأنه أن يقلب المشهد كلياً ويعزز صدمات الأسعار من جديد.
الاقتصاد الأميركي يراقب
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- إن صدمة ارتفاع أسعار النفط (قبل أن يتراجع لاحقاً بعد تصريحات لترامب) قد يكون لها تأثير واضح ومباشر على الاقتصاد الأميركي؛ خاصة مع بدء ظهور تداعيات ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وانعكاس ذلك على المستهلك الأميركي وقدرته الشرائية.
- البنزين يعد من أكثر السلع التي يشعر بها المستهلك يومياً، نظراً لشرائه المتكرر، ما يجعل أي تغير في أسعاره سريع الظهور في سلوك الإنفاق وثقة المستهلك.
- فيما لا تزال أسعار النفط عند مستوى مرتفع فإن ذلك يشكل ضغطاً كبيراً على معدلات التضخم، إذ إن تكلفة الطاقة تنعكس على أسعار السلع والخدمات بشكل واسع.
- مسار هذه الضغوط يبقى مرهوناً بمدة استمرار الأزمة الجيوسياسية.. وفي حال التوصل إلى اتفاقيات أو وقف لإطلاق النار خلال فترة قصيرة، فقد تكون صدمة الأسعار مؤقتة ومحدودة التأثير.
ويلفت إلى أن أسعار النفط سجلت أعلى ارتفاع يومي منذ نحو أربعين عاماً، في بداية تعاملات الاثنين واقتربت من مستوى 120 دولاراً للبرميل، قبل أن تفقد مكاسبها بعد ذلك، مؤكداً أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة أو تجاوز تلك المستويات سيضاعف الضغوط التضخمية ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي العالمي. ويبيّن أن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن كل ارتفاع بنحو 10 دولارات في أسعار النفط قد يقتطع ما بين 0.4 و0.6 بالمئة من النمو العالمي.
ويوضح أنه في حال ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 120 دولاراً، فمن المرجح أن يرتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى نحو 4 بالمئة، مع تراجع النمو الاقتصادي بنحو 1 بالمئة تقريباً، وهو ما يمثل أحد أسوأ السيناريوهات بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، حيث يواجه معضلة الموازنة بين احتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
ويشير أيضاً إلى أن بيانات سوق العمل الأخيرة أظهرت تباطؤاً ملحوظاً، مع تسجيل الاقتصاد الأميركي فقدان نحو 92 ألف وظيفة خلال آخر تقرير، وهو ما انعكس على توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية. ويلفت إلى أن الأسواق كانت تسعّر سابقاً ثلاث تخفيضات في أسعار الفائدة خلال العام، قبل أن تتراجع التوقعات إلى تخفيضين فقط.
ويختتم يرق حديثه بالتأكيد على أن التأثيرات الفعلية للأزمة ستظل مرتبطة بمدتها، موضحاً أنه في حال امتدت لأكثر من خمسة أسابيع، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط على أسعار الطاقة والمنتجين، وأن يبدأ الاقتصاد الأميركي في الشعور بآثارها بشكل أوضح خلال الربع الثاني من العام، مشدداً على أن إطالة أمد الأزمة ستفاقم من تداعياتها التضخمية والاقتصادية.
عامل ضغط سياسي
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- أسعار النفط تتحول سريعاً إلى عامل ضغط سياسي واقتصادي على الإدارة الأميركية، خاصة في ظل حساسية ملف الطاقة لدى الناخب الأميركي.
- سعر البنزين في الولايات المتحدة لا يُعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل يُنظر إليه كمؤشر سياسي يومي يقيس به المواطن أداء الإدارة الحاكمة، إذ ينعكس أي ارتفاع في أسعار النفط مباشرة على أسعار المنتجات المكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات والسفن، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل البري والبحري والجوي، وبالتالي ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام.
- تقارير اقتصادية، بينها ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، تُظهر أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر برميل النفط قد تضيف قرابة 15 سنتًا إلى سعر غالون البنزين عند المضخة، كما قد ترفع معدل التضخم في الولايات المتحدة بنحو 0.1 نقطة مئوية، مع احتمال تضخم أكبر إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة.
ويضيف أن بيانات موقع أسعار الوقود التابع لـ “جمعية السيارات الأميركية” تشير إلى ارتفاع متوسط سعر البنزين الوطني في الولايات المتحدة إلى نحو 3.198 دولارات للغالون حتى الرابع من الشهر الجاري، في واحدة من أكبر القفزات اليومية منذ سنوات، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وتوترات الإمدادات في أسواق الطاقة العالمية.
ويتابع القاسم أن هذه التطورات تأتي في توقيت سياسي حساس بالنسبة للرئيس الأميركي، الذي أقرّ بأن الحرب قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط على الأميركيين ولو بصورة مؤقتة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى انتخابات الكونغرس النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
الاقتصاد الأميركي
وكان ترامب قد قال في مؤتمر صحافي يوم الاثنين:
- كنت أعلم أن أسعار النفط والغاز سترتفع قبل الحرب على إيران
- أسعار النفط ارتفعت بنسبة أقل مما كنت أتوقع
في هذا السياق، ذكر تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” تحت عنوان (لماذا من غير المرجح أن تؤدي صدمة أسعار النفط إلى انهيار الاقتصاد؟) أن الولايات المتحدة تُعدّ مُصدِّراً صافياً للنفط، والإنتاجية تتحسن، لكن الخطر الأكبر يكمن في التضخم المُستعصي.
ويضيف التقرير: “يستحضر أصحاب الذاكرة القوية الركود التضخمي – وهو مزيج مقلق من النمو الراكد والتضخم المستمر- – أو ما هو أسوأ من ذلك، الركود الاقتصادي.. وقد ساهمت أسعار النفط المرتفعة في انهيار الاقتصاد في أعوام 1973 و1980 و1990 و2008”.
ووفق التقرير، فإنه “من غير المرجح حدوث ركود تضخمي أو انكماش اقتصادي. فقد أصبح الاقتصاد أكثر مرونة في مواجهة صدمات أسعار النفط، ويشهد انتعاشاً في الإنتاجية مدعوماً بالذكاء الاصطناعي. ومن شأن هذين العاملين أن يساهما في استدامة النمو وتخفيف ضغوط التكاليف”.
الأسر الأميركية
وبالعودة لحديث القاسم، فإنه يؤكد أن ما يمكن تسميته بـ”معادلة البيت الأبيض” يقوم على أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط فوراً على ميزانيات الأسر الأميركية، خصوصاً أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة، ومع انتقال هذه الزيادات إلى تكاليف النقل والسلع والخدمات يصبح من الصعب الحفاظ على رواية تراجع التضخم التي بدأت تظهر في البيانات الاقتصادية الأخيرة.
ويختتم حديثه بالقول إن استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم مسار التصعيد العسكري، وربما تسريع جهود التهدئة إذا ما تحولت تكلفة الحرب اقتصاديًا إلى عبء مباشر على المستهلك الأميركي والناخب في آن واحد.
شلل الملاحة في مضيق هرمز يهدد أسواق الطاقة العالمية

